آراء حرة

هل أصبحت الممرات البحرية أدوات ضغط جيوسياسي؟

 كتب : د. طالب الشوكة ـ لعراق

لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق لعبور التجارة والطاقة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أدوات من أدوات القوة الجيوسياسية، ووسيلة ضغط يمكن أن تستخدمها الدول والقوى الإقليمية والدولية لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وعسكرية. فمضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا، وقناة بنما، لم تعد تُقرأ من منظور جغرافي أو تجاري بحت، بل باتت جزءاً من معادلات الأمن القومي وصراع النفوذ الدولي. وتكمن أهميتها في أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبرها لا يبقى محصوراً في المنطقة الجغرافية التي تقع فيها، بل يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة وأسعار الشحن والتأمين.
ويكشف مضيق هرمز بوضوح حجم هذه الأهمية؛ إذ عبره خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم. وهذا يجعل أي تهديد لحرية الملاحة فيه قضية تتجاوز الدول المطلة عليه لتصبح مسألة مرتبطة مباشرة باستقرار أسواق الطاقة العالمية. لكن السؤال الأهم هو. كيف تتحول الجغرافيا البحرية من موقع استراتيجي إلى أداة ضغط؟ الإجابة تبدأ من قدرة بعض الأطراف على التأثير في حركة الملاحة، سواء من خلال القوة العسكرية، أو التهديد بها، أو فرض مخاطر أمنية تجعل شركات النقل تعيد حساباتها. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر في ممر بحري استراتيجي يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أقساط التأمين، وزيادة تكاليف الشحن، وإطالة زمن الرحلات، وبالتالي انتقال الكلفة إلى الاقتصاد العالمي. وقد قدّمت أزمة البحر الأحمر مثالاً واضحاً على ذلك. فالهجمات التي استهدفت الملاحة في المنطقة منذ أواخر عام 2023 دفعت عدداً كبيراً من شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر وقناة السويس، والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. ووفق بيانات الأمم المتحدة، أدى ذلك إلى زيادة المسافات وأوقات الرحلات وارتفاع تكاليف النقل، فيما ارتفعت حركة سفن الحاويات عند رأس الرجاء الصالح بصورة كبيرة. وهنا ظهرت بصورة عملية مسألة يمكن تسميتها قوة التعطيل. فالقوة لا تعني بالضرورة القدرة على إغلاق الممر البحري بصورة كاملة، وإنما القدرة على جعل استخدامه أكثر خطورة أو كلفة، ودفع الشركات والدول إلى تغيير مساراتها. وهذا بحد ذاته يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط جيوسياسية. وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر أن تعطيل جزء من حركة الملاحة في باب المندب يمكن أن يدفع السفن إلى اتخاذ مسار أطول بكثير حول أفريقيا، بما يضيف أياماً إلى الرحلة ويرفع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل والتأمين. وتؤكد بيانات الأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية )*أن تحويل السفن بعيداً عن البحر الأحمر أدى إلى زيادة الطلب على سفن الحاويات وإلى ارتفاع المسافات التي تقطعها السفن عالمياً. ولا تقتصر أهمية الممرات البحرية على النفط والغاز والسلع. فقد دخلت البنية التحتية الرقمية نفسها إلى المعادلة الجيوسياسية. فكابلات الاتصالات البحرية التي تمتد في قاع المحيطات تشكل العمود الفقري للاتصالات الرقمية الدولية، وتحمل أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية. وهي لا تنقل الاتصالات فحسب، بل ترتبط بالمعاملات المالية والحوسبة والاتصالات الحكومية ومجموعة واسعة من الخدمات الحيوية. ولذلك فإن حماية هذه الكابلات لم تعد قضية تقنية فقط، بل أصبحت جزءاً من أمن البنية التحتية الاستراتيجية للدول. ومن هنا بدأت الممرات البحرية تكتسب بعداً جديداً؛ فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول السفن والموانئ والمضائق، وإنما أيضاً حول البنية التحتية الموجودة تحت الماء، من كابلات الاتصالات إلى خطوط الطاقة. وفي هذا السياق، تتحول الموانئ والقواعد البحرية إلى أدوات أخرى في صراع النفوذ. فوجود قوة بحرية بالقرب من ممر استراتيجي لا يعني بالضرورة امتلاك الممر، لكنه يمنح تلك القوة قدرة أكبر على حماية مصالحها، ومراقبة حركة الملاحة، وإرسال رسائل ردع، والتدخل عند تعرض خطوط الإمداد للخطر.
ولهذا أصبحت مناطق مثل المحيطين الهندي والهادئ، وبحر الصين الجنوبي، والبحر الأحمر ساحات مهمة لاختبار النفوذ البحري، في ظل التنافس المتزايد بين القوى الكبرى على طرق التجارة والطاقة والموانئ والبنية التحتية البحرية. وفي المقابل، تحاول بعض الدول تقليل اعتمادها على الممرات الأكثر عرضة للاضطرابات من خلال إنشاء بدائل برية أو بحرية. فالسعودية، على سبيل المثال، تمتلك خط الشرق-الغرب الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يوفر مساراً لتجاوز مضيق هرمز، في حين تستطيع شركات الشحن في بعض الحالات تغيير مساراتها البحرية والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وإن كان ذلك أكثر كلفة وزمناً. فالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، أو استخدام خطوط الأنابيب، أو تغيير الموانئ، يمكن أن يقلل من أثر التعطيل، لكنه لا يلغي الكلفة الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن اضطراب الممرات الرئيسية. وهذا ما يجعل امتلاك القدرة على التأثير في هذه النقاط الجغرافية ورقة ضغط مهمة، حتى من دون السيطرة الكاملة عليها. والأهم أن الدول التي تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً ليست دائماً صاحبة اليد العليا بصورة مطلقة؛ فإغلاق الممر أو تعطيله قد يرتد على الدولة نفسها، خصوصاً إذا كانت تعتمد اقتصادياً على التجارة أو تصدير الطاقة عبر الممر ذاته. ولذلك فإن قوة التعطيل سلاح ذو حدين؛ يمكن أن ترفع كلفة الخصم، لكنها قد ترفع في الوقت نفسه كلفة استخدامها على الطرف الذي يمتلك القدرة على التعطيل.
وهكذا لم تعد الممرات البحرية مجرد شرايين تمر عبرها السفن، بل أصبحت جزءاً من معادلة القوة الدولية. فالميناء يمكن أن يكون قاعدة نفوذ، والمضيق يمكن أن يكون نقطة ضغط، وخط الأنابيب يمكن أن يكون بديلاً استراتيجياً، والكابل البحري يمكن أن يصبح جزءاً من أمن الدولة الرقمي.
وإذا كانت الجغرافيا السياسية التقليدية تقوم على السيطرة على الأرض، فإن الجغرافيا البحرية الجديدة تبدو أكثر تعقيداً؛ لأنها تقوم على القدرة على التحكم في الحركة، ورفع كلفة الحركة، وحماية مساراتها، أو تهديدها دون الحاجة بالضرورة إلى احتلالها.
إذا كانت الممرات البحرية قد تحولت من مجرد شرايين للتجارة والطاقة إلى أدوات ضغط جيوسياسي، فهل نحن أمام مرحلة جديدة تصبح فيها السيطرة على حركة العبور موازية لأهمية السيطرة على الأرض؟
_____
*تأسس في عام 1964، ويُعد المنظمة الرئيسية التابعة للأمانة العامة للأمم المتحدة والمعنية بشؤون التجارة، والاستثمار، والتنمية الاقتصادية. يضم في عضويته نحو 195 دولة،
1- تسليط الضوء على قوة التعطيل.
2- مساعدة الدول النامية على اندماج بصورة أكثر إنصافاً وفعالية في الاقتصاد العالمي.
3- مراقبة خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى