آراء حرةأخبار عربية عالمية

أحاديث ماتت في القلب

كتب:  احمد وحيد ـ مصر 

هناك كلامٌ كثير يسكننا، ولا يجد طريقه إلى الخارج.
‏ليس لأننا لا نعرف كيف نقوله، وإنما لأن بعض المشاعر حين تتحول إلى كلمات، تفقد شيئًا من حقيقتها.
‏نحن لا نصمت دائمًا لأننا لا نملك ما نقول…
‏أحيانًا نصمت لأن في داخلنا كلامًا أكبر من أن تحمله اللغة.
‏كم مرة جلسنا أمام شخصٍ نحبه، وكان في القلب حديث طويل، ثم اكتفينا بكلمة عابرة؟
‏كم مرة أردنا أن نقول: «لقد أوجعتني»، فقلنا بدلًا منها: «لا بأس»؟
‏وكم مرة اشتقنا إلى أحدهم، لكننا أخفينا الاشتياق خلف سؤالٍ بسيط: «كيف حالك؟»
‏إن الإنسان لا يخفي مشاعره دائمًا خوفًا من الرفض؛ أحيانًا يخفيها لأنه يخاف أن يكشف مقدار حاجته.
‏فالاعتراف بأنك اشتقت، أو تألمت، أو احتجت إلى أحدهم، يحتاج إلى قلبٍ شجاع.
‏وليس كل الناس شجعانًا أمام مشاعرهم.
‏هناك من يستطيع أن يواجه العالم كله، لكنه يعجز عن الوقوف أمام شخصٍ واحد ويقول له:
‏«وجودك يعني لي الكثير.»
‏وهناك من يملك القدرة على الاعتذار، لكنه ينتظر طويلًا لأن كبرياءه يمنعه من كلمةٍ واحدة.
‏ثم تمر الأيام…
‏ويصبح ما كان يمكن إصلاحه بكلمة، بحاجة إلى سنوات من الندم.
‏وهذه واحدة من أكثر مآسي الإنسان:
‏أن يعرف متأخرًا قيمة الأشياء التي كان يستطيع أن يحافظ عليها بسهولة.
‏نحن نؤجل كثيرًا.
‏نؤجل الحديث.
‏نؤجل الاعتذار.
‏نؤجل اللقاء.
‏نؤجل التعبير عن الحب.
‏نؤجل كل شيء وكأن العمر وعدٌ مكتوب لنا إلى الأبد.
‏ثم يأتي الغياب ليعلمنا أن الوقت لم يكن ملكنا كما ظننا.
‏وأن بعض الأشخاص لا ينتظرون طويلًا.
‏وأن بعض الفرص إذا مرت، لا تعود بالشكل نفسه.
‏لذلك، لا تبخلوا بالكلمات الجميلة.
‏قولوا لمن تحبون إنكم تحبونهم.
‏اشكروا من وقف إلى جواركم.
‏اعتذروا حين تخطئون.
‏واسألوا عن الذين يسألون عنكم.
‏فالكلمة الطيبة لا تكلف شيئًا، لكنها قد تصل إلى قلبٍ كان يحتاج إليها أكثر مما تتصور.
‏وفي المقابل، لا تجعلوا كل ما في قلوبكم متاحًا لكل أحد.
‏فكما أن هناك كلامًا ينبغي أن يُقال، هناك كلامٌ من الحكمة أن يبقى في القلب.
‏ليس كل شخصٍ أهلًا لمعرفة ضعفك.
‏وليس كل من يسألك عن وجعك يريد أن يداويه.
‏بعضهم يريد فقط أن يعرف أين يؤلمك ليضغط عليه حين يختلف معك.
‏لهذا، النضج ليس أن تقول كل ما تشعر به، وإنما أن تعرف لمن تقول، ومتى تقول، وكيف تقول.
‏وقد نكبر فنكتشف أن الصمت أحيانًا ليس عجزًا عن التعبير، بل احترامًا لما تبقى من العلاقة.
‏فكم من كلمة قيلت في لحظة غضب، هدمت سنوات من المودة.
‏وكم من جملة خرجت بلا تفكير، بقي أثرها في قلب إنسان سنوات طويلة.
‏الكلمات لا تموت حين نطلقها.
‏قد تنتهي من أفواهنا، لكنها تبدأ حياتها داخل قلوب الآخرين.
‏لذلك، كن حذرًا فيما تقول.
‏فقد تنسى أنت جملة قلتها منذ سنوات، بينما يعيش بها شخصٌ آخر كل يوم.
‏وقد تقول كلمة بسيطة لشخصٍ في لحظة انكسار، فتكون بالنسبة إليه سببًا في أن يستعيد شيئًا من قوته.
‏وهنا تكمن مسؤولية الإنسان تجاه الإنسان:
‏أن يكون حضوره خفيفًا على القلوب، لا عبئًا عليها.
‏أن يترك خلفه أثرًا طيبًا، لا جرحًا جديدًا.
‏أن يتذكر أن الناس الذين نلتقيهم ليسوا دائمًا أقوياء كما يبدون.
‏فربما كان الشخص الذي أمامك يخوض معركة لا تعرف عنها شيئًا.
‏وربما كانت كلمتك هي الشيء الوحيد الذي يستطيع حمله في ذلك اليوم.
‏وفي النهاية…
‏ليست كل الأشياء التي لا نقولها ضائعة.
‏بعضها يتحول إلى دعاء.
‏بعضها يصبح ذكرى.
‏وبعضها يبقى سرًا جميلًا بين القلب وربه.
‏لكن هناك أشياء لا ينبغي أن نؤجلها.
‏الحب يُقال.
‏والامتنان يُقال.
‏والاعتذار يُقال.
‏والشوق يُقال.
‏لأننا لا نعرف أي كلمة ستكون الأخيرة.
‏ولا نعرف أي لقاء سيكون الأخير.
‏ولا نعرف متى يتحول الإنسان الذي أمامنا من «شخص في حياتنا» إلى «ذكرى في حياتنا».
‏فإذا كان في قلبك كلامٌ جميل لأحدهم…
‏فلا تنتظر كثيرًا.
‏قل ما تشعر به قبل أن يصبح الكلام حسرة، وقبل أن يتحول «كان ينبغي أن أقول» إلى جملةٍ ترافقك طويلًا.
‏فأقسى الكلمات ليست التي قيلت في لحظة غضب…
‏بل تلك التي ماتت في القلب، ولم تجد يومًا طريقها إلى من كان يستحق أن يسمعها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى