الساحل الغربي اليمني: من المكسب العسكري إلى النفوذ الدائم

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق
تحول المعارك والتطورات الميدانية في الساحل الغربي لليمن إلى سيطرة ونفوذ دائمين يمكن أن يغير المعادلة من مجرد مكاسب تكتيكية إلى ترتيبات جيوسياسية طويلة الأجل. فالمسألة لا تقتصر على من تقدم عسكريًا أو كسب مساحة من الأراضي، بل تمتد إلى من يمتلك القدرة على فرض السيطرة والمشروعية على الموانئ والشواطئ الحيوية، وكيف يمكن استغلال هذا النفوذ الميداني في صياغة أي اتفاق سياسي أو تحالفات إقليمية قادمة. كما أن السؤال الأهم يتعلق بأثر هذا التواجد على حرية الملاحة وأمن المعابر البحرية على المدى الطويل، خصوصًا أن السيطرة على مناطق مثل المخا ومحيط باب المندب لا تعني مجرد امتلاك نقاط عسكرية، وإنما امتلاك أدوات ضغط يمكن استخدامها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. السيطرة الميدانية في الساحل الغربي لليمن لم تعد مجرد إعادة توزيع للخريطة العسكرية، بل تحولت إلى واقع نفوذ استراتيجي يعيد تشكيل أدوات القوة والضغط للجهات الفاعلة هناك. فالتحكم بالموانئ والمناطق الحيوية مثل المخا ومحيط باب المندب يجعل منها أكثر من مجرد نقاط اشتباك، ويفتح الطريق أمام تحويلها إلى مراكز إدارة واقتصاد وبنى تحتية عسكرية يمكن أن تدار بصورة مستقرة، وهو ما يجعل انتزاع هذا النفوذ في المستقبل أكثر صعوبة. الأطراف الموجودة في هذه المناطق لا تستطيع الاكتفاء بالوجود العسكري إذا كانت تريد تثبيت نفوذها لفترة طويلة. فاستمرار السيطرة يحتاج إلى إدارة محلية، وتأمين خطوط الملاحة، وإنشاء شبكات مصالح اقتصادية واجتماعية محلية، وكل ذلك يجعل النفوذ أكثر رسوخًا ويصعب انتزاعه مستقبلًا. فالسيطرة العسكرية يمكن أن تتغير مع تغير ميزان القوى، بينما النفوذ الذي يرتبط بالإدارة والاقتصاد والمصالح المحلية يصبح أكثر تعقيدًا، لأنه لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها. النفوذ المستدام على الممرات البحرية يمنح القوة الميدانية ورقة ضغط ثقيلة في أي مفاوضات تسوية، خصوصًا عندما تصبح هذه المناطق جزءًا لا يتجزأ من معادلة أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر. وبذلك لم يعد النفوذ محليًا فحسب، بل أصبح مرتبطًا بترتيبات أمنية وحسابات جيوسياسية أوسع تخص القوى الإقليمية والدولية المعنية بسلامة طرق التجارة والطاقة. وهذا يعني أن أي تسوية سياسية مستقبلية في اليمن لن تكون منفصلة عن واقع السيطرة على الساحل الغربي، لأن من يمتلك الموانئ والشواطئ والمواقع القريبة من الممرات البحرية يمتلك، بصورة أو بأخرى، ورقة تفاوضية يصعب تجاهلها. ومن هنا يمكن القول إن المعارك على الساحل الغربي لا ينبغي أن تقاس فقط بمقدار الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها أو خسارتها، وإنما بقدرة كل طرف على تحويل وجوده العسكري إلى نفوذ سياسي واقتصادي وأمني طويل الأمد. فالمعركة الحقيقية قد تبدأ بعد انتهاء المعركة العسكرية، عندما يتحول النفوذ الميداني إلى واقع سياسي يصعب تغييره.



