السياسة فن الممكن: كيف تعيد تركيا رسم توازنات المنطقة؟ ـ الجزء الرابع

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق
الرهان التركي على توسيع النفوذ في المشرق العربي لا يخلو من قيود وتحديات؛ فتراجع نفوذ بعض القوى الإقليمية لا يعني اختفاء مصالحها، كما أن التحولات السياسية في سوريا لا تمنح أنقرة قدرة مطلقة على إعادة تشكيل المنطقة وفق أولوياتها. وتبقى التوازنات الإقليمية رهينة تداخل المصالح التركية والإسرائيلية والروسية والأمريكية، فضلاً عن مواقف القوى العربية وحسابات الفاعلين المحليين. وهذا التشابك يثبت أن أنقرة لا تمتلك عصا سحرية لإعادة رسم خريطة الجيوسياسة، بل تتحرك ضمن مساحات مناورة تحكمها قدراتها العسكرية والاقتصادية، وكذلك قدرتها على التعامل مع مصالح القوى الأخرى وتناقضاتها.
إن النجاح الإقليمي لن يُقاس بحجم الحضور الميداني وحده، بل بقدرة أنقرة على تحويل هذا الحضور إلى ترتيبات سياسية واقتصادية مستدامة، من دون أن يؤدي تمددها إلى إنتاج خصومات جديدة، سواء مع دول عربية كبرى أو قوى إقليمية أخرى، تفوق كلفتها المكاسب التي تسعى إلى تحقيقها. ولذلك تتطلب البراغماتية التركية الناجحة موازنة دقيقة بين الطموح والكلفة، وبين توسيع النفوذ والحفاظ على هامش المناورة. ويشهد المشرق العربي تحولاً في طبيعة إدارة العلاقات بين القوى الفاعلة؛ فالشعارات الكلاسيكية، سواء كانت عروبية أو مرتبطة بالإسلام السياسي أو القومية والطائفية والمذهبية، لم تعد وحدها قادرة على تفسير مسارات التحالفات والتفاهمات. ومع ذلك، لا يعني هذا اختفاء الاعتبارات الأيديولوجية والهوياتية، بقدر ما يعني أن المصالح الأمنية والاقتصادية باتت تؤدي دوراً أكثر وضوحاً في تحديد سلوك الدول والجهات الفاعلة.
ولم تعد التحالفات التقليدية قادرة دائماً على احتواء جميع التناقضات، وأصبحت الدول والجهات الفاعلة تلجأ بصورة أكبر إلى تفاهمات محددة وصفقات موضعية تحكمها حسابات الربح والخسارة، وقد تتجاوز في بعض الأحيان عداوات تاريخية عندما تفرض الضرورات الأمنية والاقتصادية ذلك.
ويثبت التاريخ المعاصر أن الاعتبارات الطائفية أو القومية يمكن أن تتراجع عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية أو الأمنية المباشرة للدول، والعكس صحيح؛ إذ يمكن أن تعود هذه الاعتبارات إلى الواجهة عندما تخدم المصالح الصلبة للفاعلين.وفي هذا السياق، تلعب تقاطعات المصالح الاقتصادية وطرق التجارة الدولية دوراً محورياً في إعادة صياغة التحالفات في منطقة المشرق؛ إذ باتت ترتبط بصورة وثيقة بأمن الطاقة، والممرات التجارية، وسلاسل الإمداد، وحصص المياه، والبنى التحتية. وتتنافس قوى إقليمية، من بينها تركيا وإيران ودول الخليج وإسرائيل، على التأثير في الممرات البرية والبحرية ومسارات التجارة والطاقة، ومنها «طريق التنمية» العراقي والممرات العابرة من الأناضول نحو الخليج والبحر المتوسط. ولا يتعلق هذا التنافس بالسيطرة المباشرة على هذه المسارات فقط، بل أيضاً بامتلاك القدرة على التأثير في اتجاهاتها، والاستفادة من عوائدها الاقتصادية، وتحويلها إلى أدوات نفوذ سياسي. وتسعى تركيا، في هذا الإطار، إلى ترسيخ موقعها بوصفها ممراً مهماً للطاقة والتجارة نحو أوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. إلا أن تحويل هذه الميزة الجغرافية إلى نفوذ مستدام يبقى مرتبطاً بقدرتها على الاندماج في شبكات الطاقة والتجارة الإقليمية والدولية، وبناء تفاهمات تقلل من احتمالات تعطيل هذه المسارات. وفي المقابل، تفرض تحديات شح الموارد وأزمة المياه في حوض دجلة والفرات واقعاً براغماتياً يتطلب تفاوضاً مستمراً بين الأطراف المعنية. وهنا تتقاطع ملفات المياه والأمن الغذائي والطاقة والتجارة، لتدفع الدول إلى البحث عن تفاهمات ومقايضات، حتى عندما تكون العلاقات السياسية بينها محكومة بالخلافات.
لكن الرهان التركي لا يتوقف عند امتلاك عناصر القوة أو الموقع الجغرافي؛ فالمسألة الأهم هي قدرة أنقرة على تحويل هذه العناصر إلى شبكة مصالح تجعل نفوذها مقبولاً أو مفيداً للآخرين. فالقوة التي تنتج خصومات أكثر مما تنتج شراكات قد تتحول، بمرور الوقت، إلى عبء على صاحبها.
ومن هنا تبدو السياسة التركية أمام معادلة دقيقة: كيف توسع نفوذها من دون أن تدفع القوى الأخرى إلى بناء ترتيبات مضادة لها؟ وكيف تستثمر الفراغات والتناقضات الإقليمية من دون أن تتحول هي نفسها إلى طرف يصعب على الآخرين التعامل معه؟
في النهاية، قد لا تكون تركيا قادرة على إعادة رسم خريطة المشرق العربي منفردة، لكنها تملك من أدوات الجغرافيا والاقتصاد والقوة ما يسمح لها بالتأثير في اتجاهات هذه الخريطة. وبين الطموح والقدرة، تبقى السياسة، في جوهرها، فن الممكن؛ والنجاح التركي لن يتحدد بما تستطيع أنقرة الوصول إليه فقط، بل بما تستطيع الحفاظ عليه من مكاسب من دون أن تتحول كلفة التوسع إلى قيد على نفوذها.



