من «ذاكرتي الأدبية» السعودي الدكتور ناصر البكر في ضيافة الاضواء

حاوره / كمال الحجامي
كتاب «ذاكرتي الأدبية» ليس مجرد كتاب أستعرض فيه بعض محطات حياتي، ولا سيرةً شخصية بالمعنى التقليدي، وإنما هو محاولة لاستعادة الإنسان الذي صنعته الكلمة، وشكّلته القراءة، وربّته التجربة. لقد كتبت هذا الكتاب لأنني أؤمن بأن للإنسان ذاكرةً أخرى غير ذاكرة الأيام والأحداث؛ ذاكرةً تصنعها الكتب، وتبنيها الكلمات، وتبقى آثارها في الروح حتى بعد أن تمضي السنوات.
جاءت «ذاكرتي الأدبية» تعبيرًا عن علاقتي الطويلة باللغة والأدب والكتاب، وعن بعض المحطات التي أسهمت في تشكيل وعيي وذائقتي الأدبية. وكانت بداياتي مع الكتاب مرتبطة بالبيت والأسرة، وكان لوالدي الأديب عبدالله تركي البكر أثر عميق في تكوين علاقتي باللغة والأدب؛ فقد رأيت الكتاب قريبًا مني منذ طفولتي، ولم يكن بالنسبة لي شيئًا يوضع على الرف، بل عالمًا يُقرأ ويُكتشف ويُعاش.
ثم اتسعت دائرة القراءة، وتعددت الكتب والأسماء والتجارب، وكان للمنفلوطي والرافعي وطه حسين والعقاد وغيرهم حضورٌ مؤثر في رحلتي الأدبية. ولم أتعامل معهم بوصفهم أسماءً في تاريخ الأدب فحسب، وإنما بوصفهم أصواتًا صاحبت مراحل مختلفة من تكويني، وأسهمت في تشكيل رؤيتي للغة والإنسان والحياة.
ومن الأفكار التي كانت حاضرة في الكتاب أن اللغة ليست وسيلة للتعبير فحسب، وإنما وطنٌ يسكن الإنسان ويسكنه؛ فهي تحفظ الذاكرة، وتصون الهوية، وتمنحنا القدرة على أن نفهم ماضينا، ونعبّر عن حاضرنا، ونستشرف مستقبلنا. ولذلك فإن علاقتي باللغة لم تكن علاقة دراسة أكاديمية وحسب، بل علاقة وجدانية امتدت معي في مراحل العمر المختلفة.
وأردت من خلال الكتاب أن أؤكد أن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما هي إحدى الوسائل الكبرى التي يعيد بها الإنسان تشكيل نفسه. فالكتاب الجيد لا يضيف إلى مكتبتك عنوانًا جديدًا فقط، بل قد يضيف إلى شخصيتك فكرةً، وإلى وعيك سؤالًا، وإلى رؤيتك للحياة نافذةً لم تكن تراها من قبل. والإنسان الذي يقرأ كثيرًا لا يعيش عمره وحده، وإنما يعيش تجارب الآخرين، ويتعلم من أسئلتهم، ويستفيد من رؤاهم، ويكتشف من خلالهم شيئًا جديدًا عن نفسه.
ولذلك لم أرد أن تكون «ذاكرتي الأدبية» سيرةً مثالية خالية من التحولات والأسئلة، وإنما أردتها ذاكرةً صادقة للتجربة؛ فالإنسان لا تصنعه لحظات النجاح وحدها، وإنما تصنعه أيضًا الأسئلة التي راودته، والكتب التي غيّرت شيئًا في داخله، والمواقف التي دفعته إلى إعادة النظر في كثير من الأشياء.
وقد حمل الكتاب جانبًا وجدانيًا خاصًا حين أهديته إلى والدتي رحمها الله، لأن للأم في ذاكرة الإنسان مكانةً لا تشبهها مكانة أخرى، وكانت تلك الإهداءة بالنسبة لي صورةً من صور الوفاء لمن كان حضورها في حياتي أكبر من أن تختصره الكلمات. كما أعتز بما قدمه الدكتور فهد بن إبراهيم البكر من تحرير وتقديم للكتاب، وبقراءة الأستاذ الدكتور محمد الشنطي للكتاب والكتابة عنه في مجلة اليمامة.
وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يخرج به القارئ من «ذاكرتي الأدبية» هو أنها ليست ذاكرة شخص واحد بقدر ما هي دعوة إلى التأمل في علاقتنا نحن بالكتاب واللغة والقراءة. فأنا لم أكتب لأقول للقارئ: هذه حكايتي فقط، وإنما أردت أن أقول له: ربما تجد بين هذه الصفحات شيئًا من حكايتك أنت؛ ذكرى كتاب، أو أثر كلمة، أو وجه إنسان، أو لحظةً صغيرة صنعت في داخلك شيئًا كبيرًا.
ولهذا أرى أن «ذاكرتي الأدبية» هي في جوهرها ذاكرة للكلمة قبل أن تكون ذاكرة للكاتب، ووفاءٌ للكتاب قبل أن تكون حديثًا عن تجربة شخصية. إنها محاولة للقبض على بعض اللحظات التي مرّت بي، قبل أن يأخذها الزمن بعيدًا، وتحويلها من ذاكرة شخصية إلى تجربة يمكن أن يتشاركها القارئ معي.
وفي النهاية، تبقى «ذاكرتي الأدبية» بالنسبة لي محاولة وفاء للغة والكتاب، وللأشخاص والأمكنة والذكريات التي صنعت شيئًا من ناصر البكر؛ فالإنسان قد ينسى كثيرًا مما عاش، لكنه نادرًا ما ينسى كتابًا غيّر شيئًا في روحه، أو كلمةً فتحت له بابًا، أو إنسانًا دلّه على طريق المعرفة.



