آراء حرة

أميّة البصيرة.. حين تُكديس الشهادات لا يُنتج نوراً

كتب : د.طالب الشوكة ـ العراق

حين تحصل على أعلى الشهادات الأكاديمية، وتلتهم الكتب نهماً، لكنك تستخدم كل ذلك لفرض رأيك وتسفيه الآخرين.. هل أنت مثقف حقاً أم مجرد “أميّ بشهادة عليا”؟ ولا يسعنا هنا إلا أن نستثني الأغلبية الكريمة؛ فلولا هذه النخبة الحقيقية التي علمتنا وزادت من معرفتنا وأصبحنا أناساً بفضلهم – فهم سادتنا ومربو الأجيال ومفكوها- لكان للطرح شأن آخر. لكن حديثنا ينصب على ظاهرة تخص فئة تحولت القراءة عندها إلى أداة تبريرية لإعادة إنتاج التعصب القديم لا لتصحيحه.
في خضم أزمة العقل والفكر المعاصر، يبرز هذا التعبير المجازي ليقلب المفاهيم رأساً على عقب؛ فالأمّية اليوم لم تعد مرتبطة بعدم معرفة القراءة والكتابة، بل أصبحت أمّية عقلية ومعرفية. والمشكلة لا تكمن في قلة المعلومات، بل في طبيعة العلاقة بين المعرفة والسلوك. وحين تتبدى هذه المعرفة في مشاكسات هجومية تهدف للانتصار لا للوصول إلى الحقيقة، ندرك تماماً أن الشهادات قد تكدس المعلومات، لكنها عجزت عن صناعة النور.
مصطلح “المثقف الأمي” هو تعبير نقدي ساخر وعميق يُستخدم في الأدبيات الفكرية والاجتماعية لوصف حالة تناقض صارخة بين حيازة الشهادات والثقافة الشكلية وبين غياب الوعي الحقيقي والأخلاق المعرفية. إنه نمط بشري متكرر في المجتمعات، يتمثل في حامل للشهادات العليا في المجالات كافة، والمطلع، وربما صاحب الإنتاج الغزير، لكنه على المستوى الإنساني، الأخلاقي والنقدي، يفتقر إلى أبسط قواعد الإنصاف وقبول الاختلاف، ويدار بعقلية إقصائية متحجرة تشبه عقلية الأمي الذي لم يخرج من قمقم القوالب الجاهزة؛ فهو يقرأ ليحفظ أو ليتفاخر، لا ليتغير أو يرتقي بوعيه، ليعجز بذلك عن توظيف المعرفة لخدمة الحقيقة والحرية والإنسان. عندما يتحول العلم إلى أداة للتعصب والتكفير أو الاستعلاء، يفقد قيمته ويصبح صاحبه أميّاً معرفياً.
أما المشاكسة، فقد تكون صفة للمفكر الحر الذي يزعج الراكد، لكن مشاكسات “المثقف الأمي” تكون عبثية، انتقامية، وغايتها الانتصار للذات لا الوصول للحق. إنه يجادل بجهل مركب؛ لأنه يستخدم أدوات المعرفة لهدم روح المعرفة ذاتها، معتمداً على تراكم المعلومات دون منهجية نقدية. قد يكون الشخص عبقرياً في مجاله التقني أو الأكاديمي، لكنه جاهل بأبجديات التاريخ، الإنسانيات، أو فلسفة الحياة، مسخراً الثقافة لخدمة مصالح ضيقة أو ولاءات عمياء، بحيث يصبح بوقاً يدافع عن أفكار متخلفة أو نظريات مؤامرة عبثية بأسلوب منمّق ولغة رنانة تمنح ذلك الجهل غطاءً علمياً مزيفاً، مما يعطل التفكير النقدي لدى العامة ويجعل المجتمع أكثر عرضة للانقياد وراء الشعبوية. إن حضور “المثقف الأمي” في واقعنا لم يعد حالة فردية، بل أصبح ظاهرة طاغية تُشكّل ملامح النقاش العام، ولها انعكاسات بالغة الخطورة على النسيج الاجتماعي والفكر؛ فبدلاً من أن تكون منصات النقاش مساحات للتنوير وتلاقح الأفكار، تحولت على يد هؤلاء إلى ساحات معارك طائفية أو حزبية أو فئوية ضيقة، يتصدر فيها المشهد الثقافي والإعلامي أسماء تتقن فنون الاستعراض الكلامي والصراخ الفكري، على حساب المفكرين الحقيقيين الهادئين الذين يحملون مشاريع عميقة.هكذا بات المواطن العادي يرى أن الثقافة مجرد وسيلة للمكاسب الشخصية، أو الاستعراض، أو تبرير الأخطاء والتشبث بالنصوص والقوالب البالية، وحماية المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة، لأن هذا النوع من المثقفين يخشى بطبيعته زوال الأسباب التي تمنحه نفوذه الوهمي. إنها طامة “أنسنة الاستبداد الفكري وتجميل التخلف”؛ حيث يمنح الجهل حلة قشيبة، ويُتحول بالمعرفة من أداة لتحرير الإنسان إلى سلاح لتكبيله، مما يجعل وعي المجتمع يدور في حلقات مفرغة من التعصب والجمود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى