العراق والكويت: بين صفحة الماضي وإنصاف المستقبل

كتب د. طالب الشوكة ـ العراق
أكثر من ثلاثة عقود مرّت على اجتياح الكويت عام 1990، إلا أن آثار الأزمة التاريخية والسياسية لا تزال تترك بصمات واضحة على العلاقات الشعبية والنفسية بين الجارين. الاجتياح يراه الأشقاء الكويتيون صدمة وجودية، وليس مجرد نزاع حدودي؛ فتدمير البنية التحتية، والمآسي الإنسانية والاجتماعية، وملفات الأسرى والمفقودين، خلقت ذاكرة جمعية عميقة ومستمرة لدى الأجيال التي عاصرت تلك الفترة، وانتقلت من جيل إلى آخر.
وهناك من يتحدث عن مؤامرة كويتية أضرّت بالشعب العراقي اقتصادياً، ومحاولة تركيعه بعد حرب السنوات الثماني. وعاش الشعب العراقي عقوداً قاسية ومأساوية بعد الاجتياح، شملت الحروب المتتالية، وحصاراً دولياً خانقاً وظالماً، وما نتج عنه من دمار للبنية التحتية، مما جعل المواطن العراقي يشعر أيضاً بأنه ضحية لنظام ديكتاتوري، ورث أوزاره لسنوات طويلة. وظلت هناك ملفات معقدة استغرقت سنوات طويلة للحل، وولّدت حساسيات مستمرة، كالتعويضات المالية الضخمة التي فُرضت على العراق، والتي سُدّد الجزء الأكبر منها لاحقاً، وملف الأرشيف الكويتي والمفقودين الكويتيين، الذي ما زال يحمل أبعاداً عاطفية حساسة. وتستغل بعض المنابر الإعلامية، وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي، والمجموعات المتطرفة أو القومية، هذه المشاعر لأسباب مختلفة، منها التجييش والشعبوية وجذب التفاعلات. فعندما تحدث أي أزمة عادية، حتى وإن كانت مباراة كرة قدم كما حدث مؤخراً، يسارع البعض إلى إخراجها من إطارها الطبيعي، واستحضار أحداث عام 1990 لتفسير كل تصرف بشحنة عدائية، وكأن الماضي يعيد نفسه بكل تفاصيله.
وما نشاهده خلال بعض البرامج السياسية من كلمات تنم عن الحقد والكراهية، ونبش للخلافات، وتضخيم للمواقف العادية وتحويلها إلى معارك قومية أو وطنية، يخلق شعوراً زائفاً بأن العداء لا يزال في أوجه، بينما الواقع على الأرض يشهد، في أحيان كثيرة، تقارباً دبلوماسياً واقتصادياً بين الحكومتين. وأحياناً يتأثر الإنسان بالخطاب السائد في محيطه الأسري والإعلامي، مما يجعل أي احتكاك مفاجئ، مثلما حدث في بعض المباريات الرياضية، يعيد إحياء النعرات القديمة بشكل لا إرادي. إنها حساسية تاريخية ونفسية عميقة تحتاج إلى وقت أطول، ومبادرات ثقافية، وتعاون اقتصادي وشعبي مكثف، لتذويب جليد الماضي وإرساء علاقة طبيعية بين الجارين.
والكويتيون، لا ننكر، عانوا خلال احتلال صدام للكويت، وكان من الصعب على الكثيرين في تلك اللحظات الفصل بين ممارسات نظام صدام الديكتاتوري والمجتمع العراقي الذي جاء جيشه لتنفيذ الاجتياح. وهم يدركون تماماً أن الشعب العراقي كان أول ضحايا نظام صدام، وأنهم كانوا قد دعموا النظام العراقي في حرب السنوات الثماني التي أزهقت أرواح الكثير من أبنائه وأثقلت اقتصاده، إلا أن الرواية التاريخية الشفوية المتوارثة داخل الأسر والعائلات الكويتية تحافظ على بقاء شعور الحذر أو الحساسية. فردة الفعل النفسية غالباً ما تتجاوز النظام السياسي الحاكم، لتلتصق بالدولة المجاورة وشعبها، باعتبارهما مصدر الخطر في الذاكرة التاريخية. ورغم هذه المفارقة، فإنه في مقابل الحساسية السياسية، كان هناك تعاطف شعبي وإغاثي واسع من الكويت وشعبها لمساعدة الشعب العراقي، عبر المساعدات الإنسانية والمشاريع الطبية. وتظل هناك حساسية مكتومة تظهر أحياناً عند أي احتكاك مباشر، كالمباريات الرياضية أو النقاشات الحادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأن الجروح الكبرى تحتاج إلى أجيال طويلة حتى تلتئم تماماً وتزول آثارها النفسية من الوجدان الشعبي.
ومن الظلم التاريخي والإنساني تعميم الكراهية على الشعب العراقي بأسره؛ فالشعب العراقي عانى طويلاً، وكان الضحية الأولى لنظامه الديكتاتوري السابق، قبل أن يتحمل أوزار حروب وسياسات لم يكن له يد في صنع قرارها. وهذا الإرث النفسي لا نصفه بكراهية شعبية عامة ومستمرة ضد العراقيين، بل بوصفه حالة من الحذر والخوف التاريخي المتوارث لدى البعض في الكويت، والتي يتم استغلالها وتغذيتها بفعل أطراف وعوامل معينة. إن تسوية عدد من الملفات التاريخية والسياسية والحدودية العالقة، بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، تعكسها التحركات الدبلوماسية الأخيرة والاتفاق على تشكيل فريق عمل مشترك لوضع خارطة طريق وحسم هذه الملفات خلال مدة قصيرة، وهي رغبة مشتركة لدى الجانبين في طي هذه الصفحة التاريخية وفتح مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي والأخوي القائم على حسن الجوار.
ويُضرَب المثل بالعراق بالكرم والضيافة، وتُعد الضيافة قيمة عليا متجذرة في الثقافة العراقية الأصيلة، لتصبح واجباً أخلاقياً راسخاً. ويُعد قبول نزول الضيف في فندق، في بعض العائلات العراقية، بمثابة تقصير، في تقليد يعبر عن التكافل المجتمعي.
وفي بطولة كأس الخليج الأخيرة في البصرة، خليجي 25، فتح أهالي البصرة بيوتهم مجاناً أمام الجماهير العربية والخليجية التي لم تجد حجوزات في الفنادق، بل كان البعض يستقبل الضيوف بحفاوة بالغة في مطاراتهم وشوارعهم. وتُعد عبارات مثل: هلة بيكم، ونورتونا، والبيت بيتكم، جزءاً لا يتجزأ من لهجة العراقيين عند استقبال الضيوف. وفي زيارة الأربعين لسيد الشهداء (ع)، تتقدم مدن النجف وكربلاء وبغداد وطريق الزائرين، حيث تفتح المواكب الحسينية والبيوت أبوابها مجاناً أمام الزوار العرب والقادمين من مختلف الدول، في مشهد يعكس الكرم والمشاعر الإنسانية المتجذرة في المجتمع العراقي.
فالعراق والكويت محكومان بالجغرافيا؛ فلا العراق قادر على تغيير موقعه، ولا الكويت قادرة على تغيير جغرافيتها. فلا بد أن تقوم الحسابات بين العراق والكويت على منطق المصالح المتبادلة والعدالة، بحيث ينال كل طرف حقه كاملاً، وتُصان سيادته وأرضه واقتصاده، بعيداً عن أي محاولة لاستثمار الخلافات التاريخية، أو تحميل شعب أعباء سياسات لم يصنع قرارها، أو المساس بحقوق شعب آخر ومصالحه. فحسن الجوار لا يعني التنازل عن الحقوق، كما أن المطالبة بالحقوق لا ينبغي أن تكون على حساب الشعوب أو مستقبلها. العراق والكويت أمام فرصة تاريخية لطي صفحة الماضي، لا بإنكار جراحه، بل بمعالجتها على أساس الاحترام المتبادل والإنصاف والمصالح المشتركة. فالجغرافيا تجمعهما، والعدالة وحدها كفيلة بأن تجعل من هذا الاجتماع الجغرافي أساساً لعلاقة مستقرة، ومستقبل أكثر أمناً.



