قتصاد التكيّف… كيف يدير العراقي حياته تحت الضغط؟

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق
لم يعد المواطن العراقي يتعامل مع الأزمات بوصفها أحداثاً عابرة، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. ومع تراكم الضغوط الاقتصادية والخدمية، لجأت العائلات إلى إعادة ترتيب حياتها وفق قاعدة بسيطة: تأمين الضروريات أولاً، وتأجيل كل ما يمكن تأجيله.
أصبح الاعتماد على البطاقة التموينية واحداً من أدوات العائلة العراقية في مواجهة ارتفاع الأسعار، كما زاد الإقبال على السلع المحلية والبدائل الأقل كلفة. وفي المقابل، تراجعت خطط البناء وشراء الأجهزة والسفر، وأصبحت الميزانية اليومية تركز على الغذاء والعلاج والإيجار والكهرباء وأجور مولدات المنطقة.
وهذه ليست مجرد أرقام اقتصادية، وإنما تغييرات حقيقية في سلوك العائلة العراقية. فالأسرة التي كانت تستطيع تخصيص جزء من دخلها للترفيه أو الادخار أو شراء احتياجات إضافية، أصبحت تعيد حساباتها أكثر من مرة قبل أي عملية شراء.
ومع محدودية فرص التعيين الحكومي وضعف قدرة القطاع الخاص على استيعاب الأعداد الكبيرة من الباحثين عن العمل، اتجه كثير من الشباب والجامعيين إلى العمل الحر. وانتشرت أعمال التوصيل والنقل والمشاريع الصغيرة والعمل من المنزل، في محاولة لتعويض النقص في القيمة الفعلية للرواتب.
وأصبح العمل بوظيفتين أو أكثر أمراً مألوفاً لدى بعض الأسر، ليس بحثاً عن الرفاه، وإنما لتغطية الاحتياجات الأساسية. فالعائلة العراقية تحاول أن تعوض تراجع القدرة الشرائية بزيادة ساعات العمل، بينما يتحمل الفرد أعباء إضافية على حساب وقته وراحته.
وفي الجانب الصحي، تزداد المشكلة تعقيداً مع ارتفاع كلفة العلاج والعيادات الخاصة ونقص بعض الأدوية وضعف تجهيز بعض المستشفيات الحكومية. وقد يدفع ذلك بعض المواطنين إلى تأجيل الفحوصات والعمليات غير الطارئة، أو اللجوء إلى الصيدليات للحصول على حلول سريعة بدلاً من مراجعة الطبيب، وهي ظاهرة تحمل مخاطر صحية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.
وتلعب العلاقات العائلية والتكافل الاجتماعي دور شبكة الأمان الأخيرة. فحين لا يكفي الراتب، تلجأ العائلة إلى مساعدة أحد أفرادها، أو يتقاسم أكثر من شخص يعمل داخل الأسرة المصاريف، أو يلجأ المواطن إلى الدين من محال المنطقة لتأمين احتياجاته اليومية.
وهنا تظهر صورة أخرى للمجتمع العراقي؛ مجتمع يحاول حماية أفراده من آثار الأزمة بإمكاناته المحدودة. وقد تكون عبارة «المسواك بالدين» من أكثر الصور تعبيراً عن هذا الواقع، حيث يعرف صاحب المحل زبونه ويثق به، فيمنحه حاجته على أمل السداد لاحقاً.لكن هذا التكيف له ثمن. فالمواطن قد ينجح في تجاوز الشهر، لكنه يفعل ذلك أحياناً على حساب مدخراته، أو صحته، أو راحته، أو خططه المستقبلية. وقد تؤجل الأسرة مشروعاً أو علاجاً أو دراسة أو بناء بيت لأنها ببساطة لا تستطيع تحمل الكلفة في الوقت الحالي.وفي ظل ارتفاع الأسعار والضرائب والرسوم ونقص الخدمات، تتحول الحياة اليومية لدى كثير من العائلات إلى عملية حساب مستمرة: ماذا نشتري؟ ماذا نؤجل؟ أين يمكن تقليل المصروف؟ وكيف نستطيع الوصول إلى نهاية الشهر من دون الاستدانة أكثر؟ ومع ذلك، لا يزال المواطن العراقي قادراً على التكيف. فالسنوات الطويلة من الأزمات جعلته أكثر قدرة على التعامل مع الظروف الصعبة، لكنه لا يريد أن يتحول هذا التكيف إلى قدر دائم.
العراق بلد يمتلك ثروات هائلة وموارد كبيرة، وشعب تحمل الكثير منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وإلى يومنا هذا. ولذلك فإن المطلوب ليس فقط إدارة الأزمات، وإنما معالجة أسبابها، من خلال تنشيط القطاع الخاص، وتوفير فرص العمل، وضبط الأسواق، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتخفيف العبء عن المواطن.و لا يريد أن يبقى بطلاً في مواجهة الأزمات إلى الأبد. يريد أن يعيش حياة طبيعية، وأن تتحول ثروات بلده إلى خدمات وفرص ومستقبل أفضل لأبنائه.



