«وإن»… حين تختصر كلمةٌ وجعَ فاطمة

كتبت : الميرزا ابتسام خويط الدراجي
ليست كل الكلمات سواء؛ فبعض الكلمات تُقال وتنتهي، وبعضها يبقى عالقًا في ذاكرة التاريخ، كلما مرّ بها القارئ عاد معها السؤال، وعاد الوجع.
ومن بين الكلمات التي ارتبطت في الذاكرة الشيعية بمأساة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، كلمة قصيرة من ثلاثة أحرف:
«وإن».
تروي المصادر في سياق أحداث ما بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله أن القوم أقبلوا إلى دار أمير المؤمنين علي عليه السلام، فقيل لهم: «إنّ فيها فاطمة». فجاء الجواب المنسوب إلى عمر: «وإن».
بغضّ النظر عن اختلاف الروايات في تفاصيل الحادثة وأسانيدها، فإن السؤال الذي تفرضه صورة المشهد يبقى مؤلمًا: كيف يمكن أن يُذكر اسم فاطمة، بنت رسول الله، في مقامٍ كهذا، ثم لا يكون لوجودها ما يردع عن المساس بحرمة بيتها؟
إنّ خصوصية بيت فاطمة لم تكن أمرًا عاديًا في حياة النبي صلى الله عليه وآله. فقد كان هذا البيت موضعًا من مواضع النبوّة؛ تسكنه فاطمة بنت محمد، ويعيش فيه علي بن أبي طالب، وتشرق فيه أنوار الحسن والحسين عليهما السلام.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يولي ابنته من التكريم ما يكشف عن عظيم مقامها عنده، حتى غدت حرمة فاطمة جزءًا من حرمة الرسالة في وجدان المسلمين.
ولهذا فإن استحضار عبارة «إنّ في الدار فاطمة» ليس مجرد تفصيل تاريخي؛ إنه استحضار لمقام امرأةٍ لم تكن فردًا عاديًا في المجتمع، بل كانت ابنة رسول الله وبضعته وسيدة نساء العالمين في الموروث الإسلامي.
ومن هنا تأتي قسوة كلمة «وإن» في الذاكرة؛ لأنها، في الرواية التي تتناقلها مصادر الإمامية، لا تبدو مجرد جواب، بل تبدو عنوانًا لموقفٍ تجاه حرمة بيتٍ يعرف الجميع صاحبه وأهله ومكانته.
لقد كانت فاطمة في تلك الأيام تعيش أقسى مراحل حياتها.
فقد فقدت أباها رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم تكن قد تجاوزت ألم الفراق حتى دخلت في مرحلة أخرى من النزاع حول حقها وموقع زوجها علي عليه السلام، ثم انتهت أيامها القليلة بعد أبيها وهي تحمل في قلبها حزنًا عميقًا.
ولعلّ أكثر ما يكشف عن حجم الألم الذي بقي في نفسها وصيتها بأن تُدفن ليلًا وألا يحضر جنازتها من آذاها، وهي وصية ظلت موضع تأمل عند العلماء والباحثين؛ لأنها تركت سؤالًا مفتوحًا حول طبيعة العلاقة التي نشأت بينها وبين بعض الشخصيات السياسية في ذلك الظرف المضطرب.
وهنا تتحول قضية الزهراء من حادثة تاريخية إلى سؤال أخلاقي وإنساني كبير:
كيف تُقاس حرمة الإنسان بعد رحيل من كان يحميه؟
وكيف يمكن لأمةٍ أن تحفظ مقام نبيها إذا لم تحفظ حرمة ابنته؟
إن مظلومية فاطمة عليها السلام لا تُختزل في حدث واحد، ولا في كلمة واحدة، وإنما تتشكل من سلسلة من الوقائع التي أحاطت بها بعد رحيل أبيها، ثم تركت آثارها في سيرتها القصيرة وفي وصيتها وفي طريقة رحيلها.
أما «وإن»، فقد بقيت تختصر في الوجدان الشيعي الكثير من ذلك الألم؛ كلمة صغيرة في حجمها، ثقيلة في دلالتها، لأنها تقترن في الذاكرة بامرأةٍ كان ينبغي أن يكون اسمها وحده كافيًا لإيقاف كل غضب، وصيانة كل حرمة.
ولهذا ظل قبر فاطمة مجهولًا إلى اليوم، وبقيت وصيتها بالدفن ليلًا من أكثر صفحات حياتها إثارةً للتأمل.
فإذا كانت الزهراء قد رحلت، فإن سؤالها لم يرحل.
وإذا أُخفي قبرها، فإن مظلوميتها لم تُدفن.
وإذا اختصر التاريخ موقفًا كاملًا بكلمة «وإن»، فقد بقيت هذه الكلمة مفتوحةً على سؤال أكبر من حروفها:
ماذا حدث لفاطمة بعد أبيها؟
ذلك هو السؤال الذي لم يستطع الزمن أن يدفنه، لأن بعض الجراح لا تحتاج إلى صوتٍ مرتفع كي تبقى حاضرة؛ يكفي أن يُذكر اسم فاطمة، حتى يعود إلى الذاكرة بيتٌ من بيوت النبوّة، وامرأةٌ رحلت وهي تحمل في قلبها من الحزن ما جعل رحيلها واحدًا من أكثر فصول التاريخ الإسلامي ألمًا وإثارةً للتأمل.
سلامٌ على فاطمة يوم وُلدت، ويوم رحل أبوها، ويوم حملت أوجاعها بصمت، ويوم دُفنت ليلًا، ويوم يُكشف للناس ما خفي من تاريخها.



