حوارات مع المبدعين .. كاتبة وروائية سورية : د.بهية كحيل

حاورها/كمال الحجامي
* د.كحيل..عضواتحاد الكتاب العرب
* تشغل الدكتورة/بهية كحيل/مجالين مهمين في حياتها وهما طبيبة أسنان وعضو اتحاد الكتاب العرب بدمشق. وكان لهذه المسيرة المفعمة بالإبداع والتألق الأثر البالغ في حياتها حيث ارتقت إلى البحث العلمي والأدبي وأسهمت في مجال الأدب إلى إصدار نتاجات
* في القصة القصيرة أصدرت مجموعتين قصصيتين الأولى بعنوان/للوداع طقوس/ عام ٢٠١٤
والمجموعة الأخرى بعنوان/زمن الوحل والدم/ عام ٢٠١٦
* وفي مجال الرواية أصدرت الرواية الأولى بعنوان/كمنديل في الريح/عام ٢٠١٨
والأخرى/عبور آخر نحو الشمال/ عام ٢٠٢٣
*شاركت في كتاب /من أبراج قلعة حلب/ وكتاب
/ بورتريه لم يكتمل/
* وحالياً لديها رواية قيد النشر بعنوان /مطر استوائي/
فكل الامتنان والتقدير لكم دكتورة في هذا الحوار الشيق عبر الأثير معكم…
++تشغلين مجالين مهمين في حياتك الشخصية كيف توفقين بين هذين الاهتمامين في نضوج الفكر والالهام في حياتك اليومية من عمل أدبي وعلمي متواصل ؟
ج… صحيح أنني كنت أرغب في دراسة الأدب العربي لكن جاء مجموع الثانوية العامة ليحدد مساري المهني وعرفت حينها أن الأقدار تهدينا أحياناً ما يكون في صالحنا دون أن ندري، فعملي كطبيبة أسنان في محيط واسع جعلني أتواصل مع شريحة كبيرة من الناس بكافة أطيافهم وطبائعهم النفسية والفكرية
هذه المهنة كانت مفتاحاً مهماً من مفاتيح الكتابة لدي والباب الواسع للولوج إلى عالم حقيقي
كنت أرى الأحداث فيه بعين الروائي وأتفاعل معها بعين الإنسان وأداوي بيد الطبيبة مما جعلها تجربة ثرية فكنت طبيبة نهاراً وكاتبة ليلاً ..فأنا لا أكتب إلا في أوقات الراحة والعطلات
تؤرقني الأفكار فأتركها تتفاعل داخلي حتى تتاح لي الفرصة لإفراغها على الورق.
++تاتي العديد من الحالات المستفيضة والقيمة في جعلها أفكاراً واسلوباً سردياً في مجاميع قصصية قصيرة وروايات من الواقع الحاضر ويكون لها وقع الأثر في توثيقها وكتابتها في مختبرك السردي ؟
ج…
نعم… فأبطال أعمالي هم أشخاص حقيقيون عرفتهم عن كثب، وخبرت آلامهم، وكم بكيت مع بعضهم أحياناً
أبطالي هم أولئك البسطاء الذين شهدوا هزيمة الإنسان، والمكان والعقائد، والوطن
هم أولئك الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أقدارهم المجهولة
فالحرب أقسى تجربة يمكن أن يمر بها الإنسان، وهي المرآة الأكثر وضوحاً التي عكست التحولات التاريخية في لحظة تساقط الأقنعة، وإظهار الرغبات البشرية بأبشع صورها، وأكثرها عنفاً
لذلك كتبت لأخلد كارثة إنسانية ما زلنا نشهد فصولها في أتون موت مجاني.
++يعتبر العنوان العتبة الأولى في الكتاب سواء كانت مجموعة قصصية أو رواية كيف تستمدين تلك العناوين الملهمة لكتاباتك في هذين المجالين الأدبيين والارتقاء بهما نحو الأفضل؟
ج… يحضرني العنوان قبل أن أبدا في كتابة العمل نفسه
فيكون الإطار الذي يحضن الشخصيات وقد يكون لغماً يفجّر الأحداث ونحن نرى ونعيش تدمير الأماكن ورحيل الأحبة
لذلك جاءت عناوين كتبي معبرة تماماً عما في داخلها فحضنت رائحة الأماكن التي دْمرت وحكاية الجحيم الذي امتد على كامل تراب الوطن في هذه الفترة العصيبة من تاريخنا الحديث
وجدت أننا يجب أن نعوّل على الذاكرة في حماية ما تبقى لنا، والأدب هو ذاكرة الأماكن التي غيبتها الحروب.
++بعض الرجال يعالج فكرة النسوية في الأوساط الأكاديمية في احتكار فكرة أن أصل الجدل بين النسوية والذكورية هو الذي يهم .
هل هناك دراسات بهذا المجال من وجهة نظر الرجل بأن النسوية مهمة للرجل في أداء عمله الادبي والثقافي والفني وغيرهما؟
ج… أكبر تحد تواجهه الكاتبة العربية هو وصمها أو وصف كتابتها بالنسوية
بالنسبة لي لا أحبذ هذا التوصيف فالكتابة كتابة
وأنا لا أكتب من منظور المرأة بل من منظور الإنسان
فالحرب لم تميز بين امرأة ورجل
بل أقول أن المرأة هي وريثة النكبات والإنكسارات والهزائم الكبرى
وهي الأقدر على نقل التفاصيل والمنمنمات الدقيقة الموجعة في العلاقات الإنسانية
وأرى أيضاً أن المرأة الكاتبة إنساناً مكتملاً قادراً على استيعاب الأحداث الكبيرة والهموم العامة التي يمر بها الوطن فمابالك بوطن مدمر شاركت هي في بنائه سابقاً.
++تعد دمشق جوهرة من تاريخ الشرق القديم في أحداثه واسهاماته وعمقه الفكري المتنور ويعد هوية قومية موحدة في جغرافيا المنطقة ماذا كتبت عن هذا التاريخ بوصفه حضارة شرق أوسطية ساهمت في نهضة الأمم والحضارات المجاورة لها؟
ج… دمشق وحلب من أقدم مدن التاريخ التي ما زالت مأهولة، وسورية عموماً بكل نسيجها هي عمق استراتيجي وحضاري مهم للمنطقة والعالم
لذلك أردت أن أخلد الأحداث على طريقتي ومن منظوري كوني مرتبطة بالواقع بشدة، ويقلقني المجهول الآتي في بلدي
تهمني نظرة الأجيال المستقبلية لما يمر به الوطن في هذه الفترة العصيبة من تاريخه، فعلى أكتافهم سيتم إعادة وترميم ما تهدم عمرانياً لكن الأهم برأيي هو ترميم ما تهدم فينا وجدانياً، وروحياً
ونحن للأسف لن نسلم من لعنة الأجيال القادمة، فقد تركنا لهم ارثاً قبيحاً من الحروب الدموية، والانقسامات الفكرية.
++تطور التكنولوجيا في مجال الذكاء الاصطناعي والسيبراني إلى مديات واسعة في العالم الغربي والعربي في المعلومة المتخصصة والخبر الساخن وجعله مستساغا وسهلا للجميع هل هناك استقطاب لذوي الكلمة الصادقة والرأي السديد والارتقاء بهما في المجالات الأدبية والثقافية والعلمية والتاريخية والمعرفة نحو الأفضل سواء في القصة القصيرة أوالرواية وغيرها ؟
ج…يبقى الجهد البشري هو الأصدق والأقدر على التعبير
فهذا الزمن استثنائي بكل ما فيه وتلزمه كتابة تشبهه تماماً، كتابة محملة بالوجع والمعاناة
عندما أكتب أشعر أني أنزف كلماتي، فالشخصيات والأحداث تتفاعل داخل روحي، وتخرج قصصاً من رحم الواقع الذي أعيش فيه، فالكتابة هي خلاص روحي، هي نبش ما يؤلمني، نبش ما فاق قدرتي على التحمل
وتبقى للكتابة البشرية تلك الروح والحرارة التي تميزها انسانياً عن نصوص جاهزة أنتجها الذكاء الاصطناعي الذي أرى أن دوره يجب أن يقتصر على جمع المعلومات فقط
وهنا لا أنكر دور وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية في انتشار أعمال الكاتب والتعريف به، هذه الوسائل جعلت الجميع متاحاً، وهنا يأتي دور القارئ العربي في تمييز الغث من الثمين.
++تقام بين الحين والآخر ملتقيات ومنتديات ثقافية وأدبية في تبادل الأفكار والمعلومات القيمة في تلك الاسهامات الأدبية مارأيكم بهذه الملتقيات والمهرجانات والتواصل معها؟
ج…المنتديات الثقافية مهمة، وتواصل جميل، وفعال بين الكاتب، ومحيطه من الأدباء والنقاد
بالنسبة لي استمتعت، و استفدت من تجربتي معها
وأراها أمراً صحياً وضرورياً
++ماذا تعدين من أعمال أدبية سواء في مجال القصة القصيرة أو الرواية في الأشهر الأخيرة من هذة السنة ؟
ج… حالياً أنا في طور نشر كتابي السادس، وهو أيضاً روايتي الثالثة بعنوان /مطر استوائي
هذا العمل لا ينحاز إلى الضجيج، بل إلى الإنسان الذي يقف في وسط الضجيج حائرًا لا يحتفي بالمنتصرين، بل يفتش عن الذين دفعتهم الحروب إلى الهامش
ولا يكتب عن الشعارات، بل عن الأثمان التي يدفعها البشر، حين تتحوّل الشعارات إلى وقائع
باختصار مطر استوائي هي السيرة الداخلية للألم الانساني والتي تقول
إن أعظم المآسي ليست في الموت ذاته، بل في أن يضطر الإنسان إلى العيش بعد أن يفقد كل ما كان يمنحه معنى الحياة.
وأخيرا كل الامتنان والتقدير لكم وفقكم ربي وبارك بعملكم المبدع في الساحة الأدبية والعلمية



