أخبار عربية عالميةتقارير ومقابلات

حوارات مع المبدعين ..  الروائي والكاتب  المغربي يوسف الفرساوي 

حاوره : كمال الحجامي

الكاتب الفرساوي*ترجمت بعض أعمالي الأدبية إلى اللغة الفرنسية ومنها مجموعتي القصصية “شموع لا تبتسم”.

*يعد الكاتب والروائي /يوسف الفرساوي /من جيل الشباب المعاصر في الساحة الأدبية في المغرب والدول العربية الأخرى. وحصل الفرساوي على /ماستر/متخصص في التاريخ والتراث/ ويتابع دراسته بسلك الدكتوراه في “تاريخ المغرب المعاصر”، ومن خلال مسيرته الأدبية صدرت له روايات منها رواية:”غصن آيل للانكسار” والتي تعالج موضوع اغتصاب الأطفال. ومجموعة قصصية بعنوان: “شموع لاتبتسم” والتي ترجمت من قبل المترجم عبد الغفور مغوار إلى اللغة الفرنسية، ورواية قصيرة بعنوان ” قد يعود الماء لمجراه”.
ومن إصداراته المشتركة /نوافذ مغلقة/ ناصية/ الكتاب الذهبي/ وكذلك للكاتب الفرساوي أعمال مخطوطة منها /البحر لا يجف دائما/ عشق على رصيف الانتظار/ وحصل الكاتب على العديد من الشهادات التقديرية والجوائز والتكريمات منها/ جائزة مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون في مصر العربية عن رواية “غصن ايل للانكسار” عام 2026.

اهلا بكم فى هذا الجوار القيم معكم عبر الاثير
س: كيف ترى انطولوجيا الأثر وبناء المعنى في المجال الأدبي والثقافي في مسيرتكم وأداء أعمالكم في القصة القصيرة والرواية وغيرها؟
ج: الكتابة بالنسبة لي فعل احتجاج يومي وليس ترفا كما يعتقد البعض، فالكاتب ابن بيئته، يعبر عن حالها ويحمل همومها بقلمه، وكلما سنحت له الفرصة عبر عن جزء مما يؤلمه ويشغل باله.
وعليه فأثر الكتابة لا يرتبط بما يخطه الكاتب وإنما بالمشاعر التي يعبر عنها، والأسئلة التي يطرحها، والعلاقة التي يستطيع نسجها بين القارئ والمقروء، وعلى هذا الأساس حاولت من خلال كتاباتي ترك أثر بالتعبير عما يؤرق محيطي ويؤرق بال الفئات الهشة لا صوت لها.
ولا أخفيكم أن بناء المعنى في نصوصي في بداياتي كان قضية بين النص وبيني كقارئ، لأنني كنت أكتب نتيجة واقع مجتمعي صعب فرض علي حمل الورقة والقلم، ولم يكن القارئ بالمعنى التقليدي حاضرا أثناء بوحي للورقة، ولكن بعد اتساع رقعة تجربتي الإبداعية وجدت أن بناء المعنى مع الآخر أصبح ضرورة أدبية، ومع ذلك لم يكن – وإلى اليوم- هدفي هو تقديم أجوبة للقضايا التي أطرحها بقدر ما أحمل هم طرح الأسئلة وفتح مسارات جديدة للنقاش البناء حول القضايا التي أتطرق إليها والتي تخص الفئات الهشة التي لا أخشى التعبير عن انحيازي الصريح إليها.
وبما أن الكاتب ليس دبلوماسيا حين يتعلق الأمر بالتعبير عن هموم مجتمعه والمشاكل التي تنخر جسده فقد حملت هم البنية النفسية لشخصيات أعمالي القصصية والروائية وعبرت عن العنف الممارس عليها فكتبت عن الطفولة والشباب، واغتصاب الأطفال، والخيانة الزوجية، والمثلية الجنسية، والهجرة غير الشرعية والعبور الهش بين الحياة والموت وغيرها.

س: تتسابق شركات الذكاء الاصطناعي والسيبراني في تصنيع متنجات تدخل في معظم جوانب حياتنا، ولم نرى لها مجالا مهما في هذا التطور الادبي والثقافي ومثار جدل كبير بين مؤيد ومعارض. كيف ترى هذه المفارقة في سعيكم وعملكم الحاضر؟
ج: الذكاء الاصطناعي اليوم صار جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ورغم أهميته فإن حضوره في مشهدنا الثقافي والأدبي يظل محدودا، وذلك راجع إلى طبيعة المجال الثقافي من جهة وتخوف المبدع والفاعل الثقافي من هذا الذكاء الذي اقتحم علينا المشهد من جهة ثانية نتيجة عدم معرفه كيفية التعامل معه واستثماره، وبالتالي أقصر طريق هو التعامل معه كخصم يجب محاربته.
والحقيقة أننا يجب أن نصاحبه ونستفيد منه قدر الإمكان، ونستفيد ككتاب من الإمكانيات الهائلة التي يقدمها، وإذا كان الأدب يعبر عن التحولات المجتمعية وما يرافقها من تغيير في البنية الاقتصادية والمجتمعية والثقافية فإن الذكاء الاصطناعي اليوم من أهم التحولات التي تشغل المؤثر العالمي، لذلك من واجبنا التعبير عن واقعنا المجتمعي في علاقته بالتكنولوجيا وتحولاتها السريعة.
ورغم التطور الذي يعرفه الذكاء الاصطناعي فلا يمكنه تعويض المشاعر والأحاسيس الإنسانية، لذلك يجب على الكاتب الاستمرار في التعبير بصدق عما يخالجه مع ضرورة انفتاحه على أدوات الذكاء الاصطناعي للاستفادة منعا في الجوانب التقنية والتنظيمية.

س: لاتزال الترجمة بابا فسيحا وملهما للعديد من الأدباء والمهتمين بالثقافة والشعر والأدب والتاريخ وغيرهما كيف تقرأ الترجمة والاطلاع عليها في الجانب الغربي وتأثيره على القراء والمتلقين بصورة عامة؟
ج: أعتبر الترجمة جسرا ثقافيا عابرا للمجال، وليس فقط ترجمة لكلمات وعبارات، فعند ترجمة نص معين فأنت تنقل خصوصيات مجال معين، وتفتح قنوات للتواصل مع بيئة جديدة.
ولكن الترجمة في تقديري الشخصي تخضع هي الأخرى لمنطق القوة والضعف، فالغرب ترجموا روائع الإنتاج العربي والإسلامي في عصورنا الذهبية، واستفادوا من الإمكانيات الهائلة التي توفرنا عليها آنذاك، وعندنا انقلبت الموازين تُرجمت روائعهم وانفتح القارئ العربي والإسلامي على مضامين وأساليب جديدة وهذا أمر طبيعي.
ولا يمكن إنكار أهمية الترجمة فهي تسهم بشكل كبير في تشكيل قارئ منفتح على تجارب رائدة عالمية، فيصبح أكثر انفتاحا وتسامحا مع الآخر المختلف، عارفا بما يدور في الضفة الأخرى.
وترجمة الإنتاج العربي اليوم إلى اللغات العالمية مهم جدا لأنه يفتح له آفاقا جديدة من حيث وصوله إلى قاعدة جماهيرية أكبر، واستفادته من دراسات نقدية قد تسهم في إغناء تجربته، ناهيك عن احتكاكه بمدارس عالمية.
ولم تكن ترجمة مجموعتي القصصية “شموع لا تبتسم” من طرف المترجم عبد الغفور مغوار ترجمة حروف وعبارات، ولكنها كانت ترجمة أحاسيس ومشاعر، وتبدد الخوف الذي تملكني طيلة مدة الترجمة من فقدان شخصيات النسخة الفرنسية لجوهرها الإنساني فور قراءتي للترجمة، وشعرت أن ما حاولت التعبير والنضال عنه ما زال قائما.
س: من ضمن أعمالك الأدبية هناك أعمال قصصية وروائية كتبتها بأسماء مجازية منها: شموع لاتبتسم/ قد يعود الماء لمجراه/ناصية/ ماذا تعد هذه المسميات النصية في ثيمتها وجمال مستجداتها وعذوبة معانيها إلى القارى والمتلقي بكل سهولة وسلاسة واستيعاب ؟
ج: العنوان هو عتبة النص وأول فرصة للدخول إلى عالمه، وعليه فمعظم أعمالي يتخذ اختيار العنوان حيزا مهم قبل الاستقرار عليه، لأن همي حين اختياره يكمن في أن يكون معبرا عن جوهر النص، ولكنه في نفس الوقت يترك مساحة للقارئ للتأويل والإبحار في رمزيته، وعناوين أعمالي أظن كلها تترك للقارئ هذا الخيار ” صمت بين فاصلتين” “شموع لا تبتسم” ” غصن آيل للانكسار” ” عصافير لا تغرد” وغيرها.
أما بخصوص وصول هذه العناوين إلى المتلقي بكل سلاسة واستيعاب فأظن أن الأمر نابع من الجمع بين البساطة وعمق المعنى وصدق التعبير عن المشاعر والأحاسيس.
س: يعتبر المسرح عموما ركيزة أساسية والذي يمثل أبرز روافد العمل الفني الأدبي في العالم العربي وخارجه وذلك لما يمتلكه من تاريخ فني عريق ومتميز، هل لكم إسهاما وعملا مستقلا ومشتركا في العتبة المسرحية والتي تعد واجهة مباشرة مع الجمهور المشاهد لهذه الاعمال المبدعة؟
ج: نعم، بالنسبة للمسرح كتبت مسرحيتين قصيرتين منذ مدة إحداهما قام بتشخيصها تلاميذ في المؤسسة التي أشتغل بها وتعالج حدثا تاريخيا بارزا في التاريخ المغربي المعاصر وهو “المسيرة الخضراء”، والثانية تعالج الميز العنصري داخل الأسر التقليدية ولكن إلى اليوم مازالت مخطوطا في مكتبتي، لم أفكر في إخراجها إلى النور ولم يطلب مني ذلك.
ولاحقا إذا سمحت لي القصة والرواية بالعودة إلى القالب المسرحي قد أفكر في كتابة مسرحية طويلة.

س: كيف تستحضر اللحظة الفارقة في كتاباتك وأعمالك سواء كانت من الماضي الجميل أو الحاضر وتوظفها في مجال القصة القصيرة جدا أو الرواية ؟
والله اللحظة الفارقة أكثر ما يؤلم في الكتابة الإبداعية، وبقدر ما تدفعني أحيانا إلى ذرف الدموع أثناء كتابة بعض النصوص، بقدر ما أعتبرها الدافع الأساسي لخوض أي تجربة أدبية.
في القصة القصيرة جدا يكون الأمر أصعب مع التكثيف الذي يتطلبه هذا الجنس الأدبي، أما في الرواية فقد يكون الأمر أكثر تحررا من غصة اللحظة الفارقة حيث تُترك لك مساحة لرسم شخصيات عملك بما يلائم توجهك، وإمكانية ترويض حبكة النص بما يلائم رمزيته، خصوصا إذا كان الكاتب لا يربد الإفصاح حقيقة الحكابة وواقعيتها.
س: يعتبر التاريخ في كافة البلدان ذات أثر بالغ وعمل وثيق في مصادره وبحوثه كيف تستمد تلك الاحداث المعرفية والمهمة في توثيقها في حصولك على شهادة الدكتوراه في تاريخ المغرب المعاصر في معالمه الملهمة للعموم في المغرب العربي وخارجه؟
ج: التاريخ اليوم يتجاوز السرد التقليدي للأحداث إلى تفكيكها إلى مستويات في محاولة لفهم الحاضر والتخطيط للمستقبل، لذلك يتطلب الوعي التاريخي اليوم اختيار المواضيع التاريخية بدقة، وجمع المعطيات بالاعتماد على مختلف أشكال الوثائق التاريخية، ونقدها وتحليلها والمقارنة بين النتائج المتوصل إليها بما يضمن المصداقية التاريخية.
ولا يمكن اليوم فصل التاريخ عن الأدب لأنه يعتبره وثيقة مهمة في دراسته للوقائع التاريخية ولا يمكن للأدب تجاهل التاريخ لأنه مجال خصب للنهل منه.
ومتابعة دراستي بسلك الدكتوراه في تاريخ الاحتجاج بالمغرب اعتبره امتداد طبيعي لمساري الأدبي الاحتجاجي، ومتنفسا طبيعيا، فحين يتسلل التعب إلى جسدي من المسار الأكاديمي وجمع الوثائق التاريخية ودراستها أرتدي قناع الأدب للترويح عن النفس.
س: ونحن في الأشهر الأخيرة من هذة السنة ماذا تعد من نشاط فكري وأدبي في مجال القصة القصيرة جدا أو الرواية وغيرها…؟
في الحقيقة أحضر هذه الأيام لتصوير فيلم تربوي قصير حول العنف بالوسط المدرسي من كتابتي وإخراجي، وفي نفس الوقت معتكف على وضع تخطيط أولي لروايتي الجديدة التي تدور أحداثها في مرحلة ما قبل التاريخ في محاولة مني لربط التاريخ بالأدب.

واخيرا شاكرا لتواصلكم في هذا الحوار معكم كل الامتنان والتقدير وفقكم ربي وبارك فيكم
امتناني القلبي أستاذنا على هذه النافذة الثقافية التي تشجع من خلالها الإبداع والثقافة
كل التقدير لكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى