آراء حرةالمرأة والمجتمع

حين يصمت الضمير

كتبت : الميرزا إبتسام الدراجي

لا يكفي أن يتكلم القانونليس أخطر ما يهدّد المجتمعات أن يكثر فيها الخطأ، بل أن يتحوّل الخطأ إلى مشهدٍ مألوف، ثم إلى أمرٍ مقبول، ثم إلى سلوكٍ لا يجد من يستنكره.فالمجتمعات لا تنهار دفعةً واحدة، وإنما يبدأ الانهيار حين تتراجع القيم خطوةً بعد أخرى، ويصبح الصمت عن التجاوزات نوعًا من الاعتياد، ويُنظر إلى الانحراف وكأنّه شأنٌ شخصي لا علاقة له بمستقبل المجتمع وأمنه الأخلاقي. الأخلاق ليست مظهرًا زائدًا عن حاجة المجتمع، بل هي أحد أعمدته الأساسية.حين يضعف الضمير، لا يعود الإنسان بحاجة إلى كثيرٍ من المبررات ليعتدي على حق غيره، أو يستغل موقعه، أو يتجاوز القانون، أو يجعل المصلحة الشخصية فوق المصلحة العامة.ومن هنا تبدأ الحكاية…قد يبدأ الفساد من ضميرٍ لا يخشى الخيانة، ثم ينتقل إلى وظيفةٍ لا تُصان فيها الأمانة، ثم إلى مؤسسةٍ تُدار بالمحسوبية، ثم إلى منظومةٍ يصبح فيها الخطأ أمرًا معتادًا، حتى يصل الأمر إلى مرحلةٍ يصبح فيها الفساد أكبر من أن يُخفى. ولهذا فإن حماية المجتمع لا تبدأ من العقوبة وحدها، بل تبدأ من حماية الإنسان من سقوط القيم في داخله.لكن حين تقع المخالفة، يبقى للقانون دوره الذي لا يمكن تجاهله.فالقانون ليس نصوصًا تُكتب على الورق ثم تُترك أمام التجاوزات، وإنما هو ميزانٌ ينبغي أن يُطبَّق بعدلٍ وحزم، على الجميع، من دون انتقائية أو محاباة.وحين يشعر المخالف أن العقوبة غائبة، أو أن القانون يمكن الالتفاف عليه، فإن التجاوز لا يتوقف عند حدّه الأول؛ بل قد يتجرأ غيره على تقليده، ويتحوّل الاستثناء إلى ظاهرة، والظاهرة إلى اعتياد.ومن أمن العقوبة أساء الأدب. إنّ حماية المجتمع من المظاهر التي تتعارض مع القانون والآداب العامة لا تعني صناعة الفوضى أو إطلاق الاتهامات على الناس، بل تعني أن تكون هناك دولةٌ واضحة في قوانينها، عادلة في تطبيقها، حازمة في مواجهة المخالفات، وحريصة على كرامة المجتمع وأمنه.فلا يصح أن يُرفع شعار الحرية لتبرير كل تجاوز، كما لا يصح أن تُستعمل القيم ذريعةً للتعدّي على الناس أو التشهير بهم.الحرية مسؤولية، والقانون مسؤولية، والكلمة مسؤولية.?? أما الأسرة، فهي خط الدفاع الأول.فما لا تستطيع القوانين وحدها أن تمنعه، تستطيع التربية الواعية أن تقلّل من أسبابه.الأب الذي يصغي إلى أبنائه، والأم التي تتابعهم بحكمة، والمدرسة التي تبني الوعي قبل أن تعاقب الخطأ، والإعلام الذي لا يحوّل الانحراف إلى مادةٍ للترويج والإثارة؛ كل هؤلاء شركاء في حماية الجيل.ولا يكفي أن نقول لأبنائنا: «لا تفعلوا».بل ينبغي أن نعلّمهم لماذا لا يفعلون، وما قيمة ما يفعلون، وما أثر اختياراتهم في أنفسهم ومجتمعهم ومستقبلهم. والمجتمع كذلك ليس متفرجًا.فالكلمة المسؤولة، والموقف الواعي، ورفض التطبيع مع السلوكيات الخاطئة، كلها صورٌ من صور حماية المجتمع.لكن هذه المسؤولية يجب أن تُمارس بالحكمة، بعيدًا عن التشهير، والاتهام بلا دليل، والتحريض، والتعميم؛ لأن إصلاح المجتمع لا يكون بإفساد كرامة أفراده.نحن لا نحتاج إلى مجتمعٍ يصرخ كثيرًا، بقدر ما نحتاج إلى مجتمعٍ يعي كثيرًا.مجتمعٌ يعرف أن حماية القيم لا تعني كراهية الناس، وأن تطبيق القانون لا يعني الظلم، وأن الحزم لا يعني الفوضى، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان قبل محاسبة الإنسان. العراق ليس مجرد أرضٍ نسكنها؛ إنّه ذاكرة حضارة، وأرض مقدسات، وتاريخٌ طويل من القيم والتضحيات.ولهذا فإن مسؤولية الحفاظ على هويته الأخلاقية والاجتماعية ليست مسؤولية جهةٍ واحدة.هي مسؤولية الدولة حين تطبّق القانون بعدل،ومسؤولية الأسرة حين تربي،ومسؤولية المدرسة حين تبني الوعي،ومسؤولية الإعلام حين يختار ما يقدّم،ومسؤولية المجتمع حين لا يجعل الخطأ أمرًا مألوفًا،ومسؤولية كل صاحب قلمٍ وصوتٍ وكلمة.?? فالفساد لا يبدأ دائمًا من خزينةٍ تُسرق، بل قد يبدأ من قيمةٍ تُهان، وضميرٍ يُسكَت عنه، وخطأٍ نعتاد رؤيته حتى لا تعود أعيننا تراه خطأً.وحين يصبح القبيح مألوفًا، يصبح إصلاحه أصعب.لذلك، لا تنتظروا أن يكبر الخلل حتى يصبح أزمة، ولا أن يتحول الانحراف إلى ثقافة حتى نبدأ بمحاربته.احموا القيم قبل أن تحتاجوا إلى إنقاذها، وربّوا الضمير قبل أن تضطروا إلى ردع السلوك، وطبّقوا القانون قبل أن يصبح غيابه دعوةً مفتوحة للتجاوز.فالمجتمع الذي يحرس أخلاقه يحرس مستقبله،والدولة التي تحمي قانونها تحمي هيبتها،والأسرة التي تربي أبناءها على الوعي تحمي أجيالًا كاملة.وفي النهاية…حين يغيب القانون، يتجرأ الفساد،وحين يغيب الضمير، يبحث الفساد عن ألف قانونٍ ليتجاوزَه.قال تعالى:وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى