الثقافية

قراءة في رواية “فندق شط العرب” للكاتب الاستاذ علي الإمارة بعنوان: الأماكن اللامرئية في فندق شط العرب

كتب : هادي المياح ـ العراق

​هذه “الشعروية” (شعر – رواية) كما صنفها الكاتب، هي الأولى بحسب إطلاعي التي تجمع بين الشعر والسرد من أبوابه الواسعة؛ فالشعر هنا ليس مجرد تناصٍ بأبيات معدودة، بل يكاد لا يخلو منه فصل من الفصول، حيث يتعايش مع السرد ليشكلا معًا نسيجًا واحدًا.

​السرد الواقعي في الرواية يذكرني بروايات القرن التاسع عشر التي تأخذ ألباب القرّاء ولا تدعهم، كما هو الحال في أدب رواد ذلك العصر وأبرزهم: بلزاك، وغوستاف فلوبير، وليو تولستوي. وللسرد نكهة خاصة، هي نكهة الحكاية التي تسمعها لأول مرة فتفاجئك بأحداثها وتضيف إلى معلوماتك الكثير. تتناول الرواية الفندق حين كان مقر عملٍ للكاتب في فترة من حياته وذاكرته، المتمثلة بحكايات كثيرة ومثيرة عن العلاقات الإنسانية، وعن هذا الفندق الأسطوري الذي يمثل جانبًا كبيرًا من حضارة وعمران وحياة زاخرة بالانضباط وحسن التعامل. لا ينتهي فصلٌ إلا وقد حِيكَ ما يمهد لفصل جديد غنيّ ينساب بسلاسة وهدوء، أشبه بلص عتيد يحاول سرقة القارئ دون أن يشعر.

​أما الحوار في الرواية، فأنه يتمظهر متلبسًا بالمشاهد ووعي الراوي؛ إذ يرتقي في معظم الفصول ليعكس رؤية الكاتب الفلسفية.

​صحيح أن البناء الحكائي للرواية يبدو أقرب إلى السرد السيري المزدوج -الذي يجمع بين سيرة الفندق وسيرة الروائي-، إلا أنه يفتح آفاقًا وأَنفاقًا في الذاكرة البصرية لبدايات فترة زمنية طويلة ما قبل عام ٢٠٠٣ لتكشف للقارئ من خلال العنصر المكاني ( الفندق) ما كنا عليه آنذاك وما حصل لنا، وما أصبحنا عليه!

وقد وفق الكاتب علي الإمارة تمامًا في إلقاء الضوء على الفندق الذي تصدّر عنوان الرواية ومتنها، فهو العنصر المكاني الذي تدور حوله الأحداث وتتشكل من خلاله البنية السردية، حتى صار الفندق شاهدًا على نفسه وعلى ما يجاوره: شط العرب، المطار، المسبح، وغيرها من الشواهد.

​لقد سَخَّر الكاتب تفاصيل المكان ووظفها لخدمة النص، ويتجلى ذلك في الإشارة إلى ابتيكار “الغرفة رقم ١٣” الوهمية أو السحرية، كما تناقلها التراث العراقي حتى وقت متأخر من السبعينيات بترك الرقم ١ من تسلسل الغرف في الفنادق، أو وضع الرقمين (١٢ أ – ١٢ ب) كبديل له. تُعد هذه التقنية ناجحة في محتوى سرديّ اجتماعيّ مليء بالأسرار والغموض والمسكون بالحذر والتخفي. لقد اختار البطل هذا الرقم السحري لغرفة متخيلة في ذهنه، يمكنه الدخول إليها وحده أو مع حبيبته أنّى رغب أو تأمل:

(أن لي غرفة لا يراها أحدٌ الا وهي غرفة رقم ١٣ أنها سر من اسرار الامل حين يكون الامل غاليا أو سريّا كأنه كنز مدفون في جسد الإنسان) ص ٢٥

​وفي معرض كلامه عن “شط العرب”، كان للكاتب وقفة مميزة في وصف الشاطئ وأنسنته وفلسفة جريانه:

(الحب هو الشاطئ الثالث للنهر الذي لانراه ولكننا نحس به، واحيانا نغرق ونختفي فيه.ولا احد يحس بغرقنا أو يراه لأنهم لا يرون ذلك الشاطئ إنه أشبه بالغرفة رقم ١٣ التي لا يراها احد،نحن فقط مكتوب بتواجدها فيها أو ننعم فيها احيانا.)

ص٥١

​لم يكتفِ الكاتب بهذه الاستعارة، بل راح يرسم صورة أخرى علّه يجد في اللحظة الهاربة لماء النهر وعدم ثباتها مقاربةً لأجواء الغرفة ١٣ السحرية، وربما أراد الإشارة إلى مقولة الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: أنك لا تستطيع أن تنزل النهر الواحد مرتين.

(كانت الساعة الثالثة صباحا،ركز محمد في جريان الماء وسأل:أين هو النهر؟هل هو ماؤه ام ضفتاه ام طينه وقاعه؟قلت له:لا، النهر هو لحظته الهاربة…النهر هو الزمن المتشكل ماءً ! هو لحظة الهروب الدائمة) ص١٢٧

​- ​ولِأهواء الشباب ونوازعهم الداخلية المتمثلة في المونولوج الداخلي للبطل مكانٌ في وعي الكاتب؛ حيث ينثال بين الثبات والحركة، العقل والعاطفة، الصواب والخطأ. تراه مترددًا في مشهد التلصص على إحدى الغرف من قِبل أحد أصدقائه من عمال التبريد؛ فمرة يطاوع غريزته التي تقوده إلى الخطأ، وأخرى يعود لمبادئه التي تربى عليها لتبقيه في مربع الصواب. لقد تناول السرد هذا التجاذب بدرجة عالية من الإدراك الممزوج بالشحن العاطفي، مبيّنًا أن هناك دائمًا منطقة وسطى غير مرئية علينا أن نقف عليها ولو لوهلة قبل اتخاذ القرار (ليلة التلصص، ص ٦٣-٦٥). كما تناول الحب بطريقة معتدلة دون الخروج عن الحياء (ص ٧٥،٧٦،٧٨).

​إن الرواية هي إشراقة من سيرة حياة الكاتب على فندق شط العرب (محل عمله في بداية شبابه)، والتي استطاع من خلالها ضخ معلومات تاريخية وحضارية تمنح القارئ مساحة وافية لفهم تاريخ البصرة في الحقبة ما بين نهايات الستينيات وحتى الوقت الحاضر. والعنوان الذي اخترته لهذه القراءة هو استحقاق لتوصيف هذا العمل الروائي المهم وإبعاده عن مجرد خط الحكاية والاستكشاف.

​في النهاية، لا يقدم لنا الكاتب علي الإمارة في “فندق شط العرب” مجرد سيرة مكان أو توثيقًا لذاكرة بصريّة، بل يشيد معمارًا متداخلًا بين السرد والشعر. إن الأماكن الأكثر حقيقية في هذه الرواية ليست تلك التي تحمل أرقامًا على أبوابها، بل هي الأماكن اللامرئية في “الغرفة 13″، و”الشاطئ الثالث”، و”اللحظة الهاربة” تلك التي نصنعها من الحب والخيال لنتنفس من خلالها حين تضيق بنا المساحات المرئية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى