حين يتحول الدواء من رحمة إلى سلعة …. تجارة بوجع البشر

كتب : د .طالب الشوكة ـ العراق
علمونا صغاراً أن كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، وأن زوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من إزهاق روح أو الاستهانة بحياة بشر. كبرنا ونحن نرى العلم يتطور، ونحن في القرن الحادي والعشرون تسخر التكنولوجيا والطب لخدمة الإنسان الذي فضله ذو العزة على باقي الكائنات . لكننا، ويا للأسف، نفيق اليوم على واقع مرير يُعامل فيه المريض لا كإنسان يئن، بل كفريسة سهلة في سوق سوداء لا ترحم…..وانا اتحدث عن البعض ممن يبحثون عن الربح السريع على حساب جيب المواطن .
كيف وصلنا إلى هذه اللحظة التي يقف فيها المواطن عاجزاً أمام رفوف الصيدليات، يقلب جيوبه الخاوية والمثقوبة بحثاً عن ثمن دواء لا يحتمل التأجيل…؟
إن الأزمة اليوم لم تعد مجرد تفاوت في الأسعار، بل هي تجارة صريحة بصحة الناس. الدواء ليس سلعة كمالية يمكن للمريض أن يستغني عنها أو يُرجئ شراءها. إنه طلب قسري يفرض نفسه تحت وطأة الألم، وهذا تحديداً ما يستغله جشع بعض التجار وأدواتهم، متجردين من أدنى أخلاقيات المهنة وشرفها. نعم، نعلم أن هناك ظروفاً اقتصادية ضاغطة، وأن تقلبات أسعار الصرف وتكاليف الشحن والتخليص الجمركي ترمي بثقلها على السوق المحلي المعتمد على الاستيراد. ونعلم أيضاً أن هناك صيادلة شرفاء يتعاملون مع الدواء كرسالة إنسانية ونبيلة، ويكتفون بهامش ربح بسيط رحمةً بالناس. نقف اليهم احتراما ونشكرهم على الروح الانسانية والخلق الرفيع الذي يتمتعون به.
ولكن، ماذا عن الثغرات التنظيمية التي تسمح للبعض الآخر بفرز الأدوية وتحديد أسعارها وفق أهوائهم….؟
لماذا يختلف سعر المادة الفعالة نفسها بنسب خيالية من شارع إلى آخر…؟ ياعالم ياناس الكفن ليس فيه جيوب ولِمَن تجمع المال وأنت لا تأخذ معك سوى كفنك ان توفر لأولادٍ ربما لن يترحموا عليك او مريض يدعوا عليك بسبب استغلاله او لروح لم تسعفها بسبب جشعك المادي على حساب صحتها
إن حماية المواطن من هذا التغول ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة الحقيقية. لن يتحقق ذلك إلا بوضع حد لهذه الفوضى من خلال. فرض التسعيرة الإلكترونية الزامية على كل علبة دواء، ليصبح السعر شفافاً ومعلوماً للمواطن بضغطة زر دون مجال للتلاعب. إلزام الأطباء بكتابة الاسم العلمي للدواء بدلاً من الماركات التجارية الغالية، لفتح المجال أمام المريض لاختيار البديل الآمن والأرخص. وتشكيل وحدة عمل مشتركة تضم وزارة الصحة، نقابة الصيادلة ، الجمارك، والأجهزة الأمنية لضبط المنافذ وسلسلة التوزيع من المصنع حتى الصيدلية. التوسع في نظام التأمين الصحي الشامل ودعم منافذ الدواء الحكومية بالأدوية المزمنة لتكون ملاذاً للطبقات الفقيرة والمتوسطة.
المرض لا ينتظر والتأجيل يكلف أرواحاً. حان الوقت لتستعيد مهنة الطب والدواء نبلها الأصيل، وأن يُعاد للإنسان اعتباره وقيمته التي أرادها الله له.. كقيمة عليا لا تُباع ولا تُشترى في سوق الجشع. اللهم اشهد إني قد بلّغت .اللهم اشهد إني قد بلّغت.



