حوارات مع المبدعين / د .درية فرحات لبنان

حاورها /كمال الحجامي
*د فرحات.كنت مثابرة على الدراسة المستفيضة بانجاز الدراسات العليا في الاداب/جامعة لبنان.ومن بعد ذلك في مجال التعليم للغة العربية في التعليم الثانوي/اللغة العربية وصولا إلى انجاز شهادة الدكتوراه ومن بعدها التدريس في الجامعة اللبنانية.؟
-شاركات الاجتماعية ولها الدور الفاعل الثقافي اللبناني.وتعد .د عضو مؤسس ملتقى الأدب الوجيز وعضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب اللبنانيين.اما بالنسبة لمجالها الادبي فقد اصدرت العديد من الكتب النقدية واصدارها مجموعة بعنوان /وجهان ووجوه اخرى ومجموعة قصصية بعنوان /احكي ياشهرزاد/وايضا مجموعة قصصية بعنوان /فيض من قبس الشهادة/اضافة الى نشر مجموعة قصص للأطفال ونشر الكتب النّقديّة ومنها /مقاربات سردية تقتيات ومفاهيم/ بين السطور قراءات في فنّ السرد وغيرها العديد من الاصدارات الأدبية والثقافية فكل التقدير والامتنان والنجاح لكم في هذة الحوارية الشيقة معكم
*تعد الكتابة للاطفال الصغار معلم ليس بالسهل المستطاع واليسير كيف تصلين إلى مستوى الأطفال الصغار في توجيههم وتعليمهم بطرق مبسطة وسلسة الادراد في تقبل تلك القصص وادراكهم الابداعي لها
الكتابة للأطفال ليست أمرًا سهلًا كما قد يبدو، لأنّ الكاتب لا يكتب بلغة أقلّ، وإنّما يكتب بلغة أكثر صفاءً ووعيًا بخصوصية الطّفل. وعندما أكتب للطّفل أحاول أن أستعيد طفولتي ودهشتي الأولى بالأشياء، وأسأل نفسي ماذا يمكن أن يجذب الطّفل، وأحاول أن أدخل إلى عالمه، وأبحث عمّا يمكن أن يفهمه من دون أن أشعره بأنّني أعطيه درسًا أو موعظة.
– وعند تقديم المعلومة للطّفل أضعها داخل حكاية أو موقف أو شخصيّة، فيكتشف الطّفل المعنى بنفسه، فهو بطبيعته محبّ للاكتشاف، وإذا أعطيته النتيجة جاهزة فهو يفقد جزءًا من متعة القراءة.
وأعتقد أنّ أجمل ما يمكن أن تمنحه القصة للطّفل هو ألّا تنتهي عند آخر سطر، إنّما تبدأ في خياله بعد أن ينتهي من القراءة، وبذلك أكون قد نجحت في الوصول إليه.

*اصبحت في الاونة الأخيرة كتابات عديدة في مجال الشعر والرواية والقصة القصيرة والقصيرة جدا كيف تستوحين شخوص قصصك وتجعلينها واضحة وجلية للقارى والمتلقي بصورة عامة
الشّخصيّات قد تأتي من الواقع، لكنها لا تبقى فيه. فهي تولد من موقف أو انفعال أو سؤال أو صورة عابرة، أحيانًا أرى شخصًا في الشّارع فألتقط منه حركة أو ملامح، لكنّني لا أنقله كما هو، إنّما أعيد تشكيله وفق حاجة النّصّ.
– ولا أحبّ أن أشرح الشّخصيّة للقارئ شرحًا مباشرًا، أفضل أن تتكلّم عن نفسها من خلال أفعالها ولغتها وصمتها وعلاقتها بالآخرين، فالأفضل أن تتّضح الشّخصيّة من خلال الأثر القوي الذي تتركه في ذهن القارئ. وربما عندما أترك مساحة صغيرة للقارئ كي يتخيّل، تصبح الشّخصيّة أكثر حضورًا مما لو شرحتها.
أمّا في القصّة القصيرة جدًّا فلا توجد مساحة لبناء الشّخصيّة ووصفها من الخارج والدّاخل، لذلك أبحث عن تفصيل دال: حركة أو كلمة أو نظرة أو تصرف، يستطيع أن يكشف لنا الشّخصيّة بأكملها. وهذا جزء من متعة هذا النّوع من الكتابة أن تقول القليل وتترك للقارئ أن يكتشف الكثير.
*كتبت العديد من الاصدارات الأدبية والثقافية ومنها /احكي ياشهرزاد/وفيض من قبس الشهادة /وجهان ووجوه اخرى/كيف تستقين عناوين اصداراتك المجازية واستقطابها وتقبلها لدى القارى والمتلقي بصورة عامة بكل سهولة وسلاسة واستيعاب
العنوان ليس أمرًا ثانويًّا، هو جزء من الكتاب نفسه، لذلك لا أختار العنوان بسهولة، وابحث عن عنوان يستطيع أن يختصر شيئًا من روح الكتاب، لكنّه في الوقت نفسه لا يكشف كلّ أسراره. أحبّ العنوان الذي يثير فضول القارئ.
– مثلا في “احكي يا شهرزاد” ليست بمفهوما التّراثيّ، هي رمز للحكاية وللمرأة التي تستخدم الكلمة في مواجهة الصّمت، وللقدرة على الاستمرار من خلال السّرد.
أمّا في “وجهان ووجوه أخرى” أو في “فيض من قبس الشّهادة”، فكلّ عنوان يرتبط بالفكرة المركزيّة للمجموعة القصصيّة، مع ترك مجال للتأويل.
لذلك لا أبحث عن العنوان السّهل، إنّما عن عنوان يجمع بين الجاذبيّة والدّلالة والإيحاء، وأعتقد أنّ العنوان النّاجح هو الذي يدعو القارئ إلى فتح الكتاب، وقد يكتشف بعد القراءة أنّ العنوان كان مفتاحًا من مفاتيح النّصّ.
*كيف تعملين على ترجمة افكارك واسهاماتك المتعددة وتبيانها للغات اخرى الاجنبية لكي يطلعوا هو على منجزك الادبي والثقافي بلغات اخرى وادراك وحس فني وجعلها ماثلة للعيان بكل سهولة وسلاسة واستيعاب
التّرجمة بالنّسبة إليّ مسؤولية كبيرة، لأنّ النّصّ الأدبيّ ليس كلمات، هناك إيقاع وصورة ومجاز وثقافة، وخصوصيّة التّعبير، لذلك فالمسألة ليست نقل الجملة من العربيّة إلى لغة أجنبيّة، هي القدرة على المحافظة على روحها الأدبيّة قدر الإمكان.
=وأرحبّ بترجمة أعمال إلى اللغات الأجنبية، لأنّ الأدب لا ينبغي أن يبقى محصورًا في لغته الأصليّة، إنّ التّرجمة تتيح للنّص أن يسافر ويدخل في حوار مع قارئ ينتمي إلى ثقافة أخرى.
لكنّي أرى أنّ المترجم ينبغي أن يكون قارئًا حقيقيًّا للنّص وأن يفهم ثقافته ومرجعيّاته، لا أن يكون شخصًا يجيد لغتين فقط، خصوصًا عندما نتحدّث عن القصة القصيرة جدًّا، حيث تكون الكلمة الواحدة محمّلة بدلالات كثيرة. وفي الحقيقة عندي تجربة في ذلك حيث قام الالأديب الدكتور العراقي نزار الدّيراني ونقل بعض قصصي القصيرة جدًّا إلى اللغة السريانيّة، وهو يتقن العربية ويبدع فيها كما يتقن السّريانيّة.
*يعتبر الناقد العين الثافبة في محتويات الادب والثقافة والتراث والمجالات الأخرى وهل هناك محسوبية وعلاقات شخصية لدى الناقد في علاقاته الشخصية وتاثره ببعض الاخرين من الكتاب والمهتمين بهذا المجال الثقافي الثر في نظرته العادلة لما ينشر ويدون من احداث ووقاءع في مجالات متعددة
= النّاقد في رأيي يمتلك مسؤوليّة كبيرة، فهو لا يتعامل مع نص فقط، إنّما يتعامل مع جهد كاتب وسمعته وموقعه الثّقافيّ. وأعتقد أنّ الأصل في النّقد هو النّزاهة والاستقلاليّة، قد تكون هناك علاقات شخصيّة بين النّاقد وبعض الكتّاب، وهذا أمر طبيعيّ في الحياة الثّقافيّة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل هذه العلاقات إلى معيار للحكم على النّصّ.
وبالنّسبة إليّ قد أختلف مع كاتب على المستوى الشّخصيّ، ثمّ أجد في كتابته قيمة أدبيّة كبيرة، كما يمكن أن أكون على علاقة جيدة بكاتب، لكنّني لا أجد في نصّه ما يستحقّ الإشادة. فالنّقد الحقيقيّ يجب أن يفصل بين الكاتب الإنسان والنّصّ الذي كبته، والنّاقد الحقيقيّ هو الذي يستطيع أن يقول للكاتب هنا نجحت، وهنا أخفقت، وهنا يمكن أن يكون النصّ أفضل من دون أن يتحوّل إلى تجريح أو مجاملة.
وإنّني ارى أنّ أخطر ما يواجه الحياة النّقديّة هو أن يتحوّل النّقد إلى علاقات ومجاملات متبادلة، لأنّ الخاسر في النّهاية ليس الكاتب وحده، سيكون الخاسر الأدب نفسه.
*يعتبر الأدب العربي القديم ببلاغته للغة العربية ادبا قيما في اللغة والطرح في الكلمات وسحرها والبليغ. كيف ترين هذا التطور بينه الماضي في شعره وكلماته والطرح للأدب الحديثة في وقتنا الحاضر
لا أنظر إلى الأدب العربيّ القديم والأدب الحديث بحسبانهما أدبين متعارضين، وأميل إلى الرّأي الذي يراهما حلقات في سلسلة واحدة تتغير أشكالها ولا تنقطع جذورها. فالأدب العربيّ القديم ترك لنا ثروة لغويّة وبلاغيّة وفكريّة، فمن خلال تجربتي القرائية أرى أنّنا لو تأملنا في شعر المتنبي أو أبي تمام أو البحتري أو نتوقّف عند عبد القاهر الجرجاني في حديثه عن النظّم أو الجاحظ وحديثه عن البيان والتبيين، لأدركنا أنّ اسلافنا امتلكوا وعيًا عميقًا باللّغة.
– لكنّ الأدب لا يقف في الماضي، فالإنسان تغيّر وأسئلته تغيّرت والعالم تغيّر، لذلك فإنّني أرى إنّ تغيّر الأشكال الأدبيّة أمر طبيعيّ، فظهرت الرّواية الحديثة والقصّة القصيرة جدًّا، والتّجديد في الشّعر بين التّفعيلة والقصيدة النّثر وأشكال أخرى تستجيب لإيقاع الحياة المعاصرة.
المكشلة ليست في أن نكتب كما كتب القدماء، ولا في أن ندير ظهورنا للتّراث، إنها في أن نستوعب التّراث ثم ننتج من داخله رؤيتنا الخاصّة. فأنا أؤمن أنّ الحداثة الحقيقيّة لا نعني قطع الجسور مع الماضي، كما أنّ الوفاء للتّراث لا يعني تكرار الماضي، إنّنا نحتاج إلى أن نأخذ من القديم عمق اللّغة وجمالها وطاقتها البلاغيّة، ومن الحديث الجرأة على التّجريب وطرح الأسئلة والانفتاح على أشكال التّعبير الجديدة.
ووفق تجربتي فالأدب الحقيقيّ لا يقاس بكونه قديمًا أو حديثًا، بل يقاس بقدرته على أن يمسّ الإنسان، وأن يجعل اللّغة قادرة على قول شيء جديد. بدليل أنّنا ما زلنا نكرر حكم المتنبي مثلا في مواقفنا الحياتية.
*ماذا تعدين من اعمال ادبية وثفافية وعلمية في المستقبل القريب من قصص قصيرة جدا أو الرواية وغيرها ذلك من مقاربات سردية وقراءات نقدية أخرى …
– إنّ الكتابة لا تتوقف، لذلك أسعى دائمًا إلى أن أجعل يراعي نابضًا بالحياة، لهذا فأنا في صدد إصدار مجموعة قصص قصيرة جدا وهي ترتبط بما عشناه من واقع مؤلم وصراعات مع العدو، وأيضًا في مجال النّقد كتاب يجمع ما كتبته من دراسات نقدية في الشّعر والشّعراء، وإن شاء اللة مستمرة في الكتابة للأطفال، وطبعا عملي الإكاديمي يحتم دائمًا المشاركة في المؤتمرات العلمية.
- واخيرا شاكرا لتواصلكم في هذا الحوار الشيق وفقكم ربي وبارك فيكم دكتورتنا العزيزة
أشكرك أستاذ كمال الحجامي على هذا الحوار، وعلى اهتمامك الدائم. والشكر لهذه المساحة لألتقي مع القارئ في كلّ مكان.



