آراء حرة

سوريا وحزب الله: وساطة تتجاوز التناقض الأيديولوجي

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق

هل أصبحت تركيا وسيطاً بين سوريا وحزب الله في مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات في المشرق؟
وهل ما يجري مجرد مسعى لخفض التوتر بين طرفين متناقضين سياسياً وأيديولوجياً، أم أنه يعكس محاولة تركية أوسع لإدارة بيئة إقليمية تتغير بسرعة بعد سقوط نظام بشار الأسد؟
أثارت هذه الأسئلة تقارير صحفية تحدثت عن لقاء سري جمع، في أيلول 2026، مسؤولين من الحكومة السورية وممثلين عن حزب الله في تركيا، بوساطة أو تسهيل من أجهزة أمنية واستخبارية تركية. وبحسب ستة مصادر نقلت عنها وكالة رويترز، استهدفت الاتصالات خفض التوتر بين دمشق والحزب ومعالجة ملفات أمنية، من بينها تهريب السلاح التي تقول دمشق إنها لا تزال مرتبطة بالحزب داخل سوريا. كما تحدثت المصادر عن تعهد سوري بعدم التدخل عسكرياً في لبنان لنزع سلاح حزب الله، مقابل عدم تدخل الحزب في الشأن السوري. إلا أن تركيا ودمشق نفتا رسمياً حدوث الاجتماع، وهو ما يفرض التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها رواية صحفية محل نزاع، وليست اتفاقاً معلناً أو مؤكداً رسمياً. لكن حتى مع هذا النفي، يبقى توقيت الحديث عن وساطة تركية لافتاً، لأن العلاقة بين سوريا الجديدة وحزب الله لم تعد تشبه العلاقة التي كانت قائمة في عهد الأسد. فقد كان الحزب أحد أبرز الداعمين للاسد خلال سنوات الحرب، بينما انتقلت دمشق بعد كانون الأول 2024 إلى قيادة سياسية جديدة تنظر إلى المرحلة السابقة وإرثها الأمني والعسكري بطريقة مختلفة تماماً. ولذلك فإن أي اتصال بين الطرفين، إن ثبت، لا يمكن فصله عن إعادة رسم قواعد العلاقة على الحدود السورية اللبنانية، وعن مستقبل دور حزب الله داخل لبنان وخارجه.
لماذا الآن؟
التوقيت هو أول مفاتيح فهم هذه التحركات.
فلبنان نفسه يعيش منذ أشهر نقاشاً شديد الحساسية حول مستقبل سلاح حزب الله ودور الدولة في احتكار القرار الأمني والعسكري، في ظل إطار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة منذ حزيران 2026 ويتضمن مساراً تدريجياً لنزع سلاح الحزب، بالتوازي مع ترتيبات للانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من الجنوب اللبناني. وفي الوقت نفسه، تحاول تركيا تثبيت موقعها في المشهد اللبناني والسوري معاً. ففي تموز 2026 أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده تواصل مبادراتها الدبلوماسية من أجل أمن لبنان، وأكد دعم سيادته ووحدة أراضيه، كما شدد على أهمية تطوير العلاقات بين لبنان وسوريا. وكان قد استقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في إسطنبول، ثم استقبل الرئيس جوزيف عون في أنقرة، في سياق اتصالات تركية متزايدة مع مؤسسات الدولة اللبنانية. وهنا تظهر أهمية العامل السوري. فتركيا أصبحت لاعباً أساسياً في سوريا الجديدة، سياسياً وأمنياً، وتعتبر استقرار الدولة السورية وإعادة بناء مؤسساتها جزءاً من مصالحها الإقليمية. ولذلك فإن منع تحول الحدود السورية اللبنانية إلى ساحة جديدة للاشتباك قد يكون هدفاً منطقياً لأي تحرك تركي في هذا الاتجاه.
هل تريد تركيا احتواء حزب الله أم احتواء الأزمة؟
السؤال هنا يجب أن يُطرح بدقة.
فمن السهل تفسير أي تواصل تركي مع حزب الله باعتباره محاولة لمواجهته أو تطويق نفوذه، لكن هذا التفسير قد يكون أضيق من المشهد. الدول قد تتواصل مع أطراف تختلف معها أيديولوجياً عندما يتعلق الأمر بملف أمني أو بوقف التصعيد أو بضبط الحدود. وفي الحالة التركية، يبدو أن المصالح العملية تحضر بقوة إلى جانب الاعتبارات السياسية. فإذا كانت سوريا تسعى إلى تثبيت سيطرتها على حدودها، وإذا كان لبنان يواجه مسألة حساسة تتعلق بمستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، فإن تركيا قد ترى أن خفض التوتر بين دمشق وحزب الله يحقق لها هدفاً أوسع. منع انتقال الأزمة من مسار سياسي إلى مسار أمني مفتوح. بمعنى آخر، قد لا تكون المسألة التركية هي. كيف نغيّر موقف حزب الله؟ بل: كيف نمنع التناقض بين دمشق والحزب من التحول إلى أزمة إقليمية جديدة؟
لكن ماذا عن التناقض الأيديولوجي؟
هنا تكمن المفارقة.
تركيا دولة ذات هوية سياسية مختلفة جذرياً عن المرجعية العقائدية لحزب الله، كما أن الحزب يرتبط استراتيجياً بإيران، بينما تدير أنقرة علاقاتها مع طهران من موقع مختلف، يجمع بين التنافس والتعاون وفق الملف والمصلحة. ومع ذلك، فإن العلاقات الدولية لا تقوم دائماً على قاعدة التشابه الأيديولوجي. فقد تتفاوض أطراف متناقضة فكرياً عندما تجد أن هناك ملفاً مشتركاً يحتاج إلى إدارة. وهذا تحديداً ما قد يفسر أي قناة تركية بين دمشق وحزب الله: التناقض الأيديولوجي لا يلغي التقاطع المصلحي المؤقت. فتركيا ليست بحاجة إلى تبني خطاب حزب الله كي تتحاور معه، وحزب الله ليس بحاجة إلى تبني المشروع التركي كي يقبل قناة تفاوض حول الحدود أو الأمن أو عدم التدخل. وقد يكون الهدف من هذا النوع من الحوار إنتاج قواعد اشتباك أو تفاهمات محدودة، لا صناعة تحالف جديد.
وما الذي تريده دمشق؟
بالنسبة إلى الحكومة السورية، تبدو المسألة مرتبطة أولاً بمفهوم السيادة.
دمشق تريد أن تكون صاحبة القرار الأمني على أراضيها، وهي تنظر بحساسية إلى أي نشاط مسلح مرتبط بقوى خارجية داخل سوريا. ومن هنا تأتي أهمية ما نقلته رويترز عن مطالبة سورية للحزب بالمساعدة في وقف عمليات تهريب السلاح وتفكيك خلايا نائمة في الجنوب السوري، مقابل تعهد بعدم التدخل عسكرياً في لبنان. هذه التفاصيل لم تؤكدها دمشق رسمياً، ولذلك تبقى في إطار ما أوردته المصادر التي تحدثت عنها الوكالة. لكن مجرد طرح هذا النوع من الترتيبات، إن ثبت، يعني أن دمشق تحاول الانتقال من مرحلة الصراع مع إرث القوى التي قاتلت إلى جانب الأسد إلى مرحلة جديدة عنوانها تنظيم العلاقة مع تلك القوى وفق قواعد الدولة الجديدة.
وماذا عن حزب الله؟
بالنسبة إلى حزب الله، فإن أي انفتاح على حوار مع دمشق لا يعني بالضرورة قبول شروطها، بل قد يكون محاولة لتجنب نشوء جبهة جديدة على الحدود. الحزب خاض خلال السنوات الماضية حرباً طويلة داخل سوريا إلى جانب قوات الأسد، بينما أصبحت السلطة السورية الحالية في موقع سياسي مختلف جذرياً. ولذلك فإن إدارة العلاقة الجديدة قد تكون بالنسبة إليه مسألة أمنية بقدر ما هي سياسية. وفي هذا السياق، فإن الدخول في قناة غير مباشرة أو سرية قد يوفر للحزب مساحة لمعالجة بعض الملفات من دون تقديم تنازلات علنية منذ البداية.
وأين إيران من هذا المشهد؟
هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية.
فبحسب الرواية التي نقلتها رويترز، لم تكن إيران ممثلة بصورة مباشرة في الاجتماع المزعوم، رغم أن حزب الله حليف رئيسي لها، ونقلت الوكالة عن مصدر أمني لبناني أن طهران كانت منزعجة من استبعادها من المسار. وإذا تأكد ذلك مستقبلاً، فقد تكون له دلالة تتجاوز العلاقة السورية اللبنانية، لأنه يعني أن بعض القضايا المتعلقة بحزب الله يمكن أن تدخل مسارات تفاوضية إقليمية لا تكون إيران طرفاً مباشراً فيها. لكن هذا لا يكفي وحده للاستنتاج بأن الحزب يتحرك بعيداً عن طهران أو أن العلاقة بينهما دخلت مرحلة خلاف استراتيجي. وهنا تحديداً يجب الحذر من قراءة الأحداث من زاوية واحدة. فإيران لا تزال لاعباً أساسياً في شبكة علاقات حزب الله، في حين أن تركيا وسوريا ولبنان لكل منها حساباته الخاصة. وما يبدو اليوم تقاطعاً في ملف أمني قد لا يتحول بالضرورة إلى اصطفاف سياسي دائم.
هل تحاول تركيا إعادة تشكيل المشرق؟ خصوصا ان السياسة هي فن الممكن . لاعدو دائم ولاصديق دائم المصالح فوق المسميات
تركيا لا تتحرك في الملف السوري بمعزل عن لبنان، ولا يبدو أن اتصالاتها ببيروت منفصلة عن تطورات دمشق. وقد أعلن أردوغان في تموز أن أنقرة تريد أن تكون جزءاً من المبادرات الرامية إلى حماية سيادة لبنان، كما أكد دعم بلاده لتطوير العلاقات بين لبنان وسوريا. وعليه، يمكن النظر إلى التحرك التركي المحتمل بوصفه جزءاً من محاولة لربط الملفات المتجاورة: سوريا الجديدة، أمن الحدود، استقرار لبنان، مستقبل حزب الله، وتوازنات النفوذ الإقليمي. لكن من المبكر القول إن تركيا أعادت بالفعل رسم هذه المعادلة. فالمعلومات المتعلقة بالاجتماع لا تزال محل نفي رسمي، ولم يُعلن عن اتفاق نهائي بين دمشق وحزب الله. لذلك فإن أهمية الحدث لا تكمن فقط في سؤال. هل اجتمع الطرفان في تركيا؟ بل في السؤال الأعمق. هل بدأت المنطقة تنتقل من مرحلة الصراع المفتوح بين القوى إلى مرحلة إعادة ترتيب العلاقات عبر التفاهمات الأمنية والوساطات الإقليمية؟ وإذا كانت هذه هي الوجهة الجديدة، فإن تركيا قد تكون تحاول الانتقال من موقع اللاعب المؤثر إلى موقع أكثر انخراطاً في إدارة التوازنات، مستفيدة من علاقاتها مع دمشق وقدرتها على التواصل مع أطراف متعددة، حتى عندما تكون المسافة الأيديولوجية بينها وبين تلك الأطراف كبيرة. وفي هذه الحالة، لا يعود التناقض الأيديولوجي عائقاً أمام الوساطة، بل يصبح جزءاً من أهمية الوسيط نفسه؛ لأن الطرف الذي يستطيع الحديث مع خصومه المختلفين فكرياً قد يمتلك قدرة أكبر على إدارة الأزمات التي يعجز المتحالفون عن حلها.
وهنا يبقى السؤال الأهم: هل تسعى تركيا إلى احتواء الخلاف بين سوريا وحزب الله، أم أن الوساطة المعلنة وغير المعلنة هي جزء من إعادة صياغة أوسع لخريطة النفوذ في لبنان وسوريا بعد سقوط الأسد؟
ربما لا تحمل الإجابة ملامحها الكاملة الآن، لكن مسار الأحداث المقبلة وحده سيكشف ما إذا كانت أنقرة تتحرك لإدارة أزمة محددة، أم أنها تؤسس لدور أوسع في إدارة توازنات المشرق
انتظرونا في المقال القادم تركيا وإعادة تشكيل المشرق: هل أصبحت المصالح فوق الأيديولوجيا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى