آراء حرة

حزام السبع ومكر الواوي.. ماذا أراد ليام هيولن أن يقول؟

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق

حين يقف قائد عسكري أجنبي يخاطب العراقيين مستخدماً مثلاً شعبياً محلياً بحتاً مثل تحزّم للواوي بحزام سبع، فالأمر لا يبدو مجرد محاولة للتلطف أو مجاملة الحضور في مؤتمر رسمي، بقدر ما يحمل رسالة تستحق التوقف عندها، خصوصاً في مرحلة أمنية وسياسية دقيقة يمر بها العراق. العبارة أُطلقت خلال فعاليات يوم السيادة ومؤتمر إنهاء مهام قوات التحالف الدولي في بغداد، وربما اختصر بها الأدميرال جانباً من المشهد الأمني المعقد الذي تواجهه البلاد بعد انتقال المسؤولية الأمنية إلى القوات العراقية. في وجداننا الشعبي، الواوي ليس وحشاً ضخماً، وإنما هو رمز للمكر والدهاء والقدرة على استغلال الغفلة والثغرات. فهو لا يعتمد على المواجهة المباشرة، بقدر ما يعتمد على الترقب والاختباء واقتناص اللحظة المناسبة.
أما السبع، فهو رمز للقوة والشجاعة والاستعداد.
ومن هنا يمكن قراءة العبارة باعتبارها رسالة واضحة: لا تستصغروا الخصم ولا تستهينوا بالخطر، حتى لو بدا صغيراً أو بعيداً عن الأنظار. فالمعركة اليوم لم تعد تشبه بالضرورة ما واجهته القوات العراقية عام 2014، عندما كان داعش يسيطر على مدن ومساحات واسعة ويمكن رؤية خطره على الأرض بوضوح. التحدي الأمني الحالي أكثر تعقيداً؛ خلايا نائمة، عمليات خاطفة، تحركات سرية، واستثمار للثغرات الأمنية والجغرافية، وكلها تجعل العمل الاستخباراتي عاملاً لا يقل أهمية عن القوة العسكرية نفسها. وهنا تبرز أهمية التحذيرات التي أطلقتها قيادات إقليم كردستان، وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني، بشأن مخاطر أي فراغ أمني أو ضعف في التنسيق، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها المسؤوليات الأمنية وتفرض طبيعتها الجغرافية تحديات إضافية. فالمناطق الوعرة والمفتوحة، ومنها امتدادات حمرين ومخمور وقره جوغ، ظلت على مدى سنوات بيئة صعبة للملاحقة الأمنية، الأمر الذي يجعل التعامل معها بحاجة إلى تنسيق مستمر، لا إلى إجراءات مؤقتة أو ردود أفعال مرتبطة بحدث معين. ولعل تزامن هذه الرسائل والتحذيرات لا يعني بالضرورة أن خطراً محدداً أصبح وشيكاً، لكنه يعكس إدراكاً مشتركاً بأن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء التحديات الأمنية، وأن مرحلة السيادة تحمل معها مسؤولية أكبر على عاتق القوات العراقية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم عبارة الأدميرال بوصفها رسالة ثقة مشروطة باليقظة. القوات العراقية تمتلك القوة والخبرة والقدرة على إدارة أمن البلاد، لكن القوة وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها يقظة استخباراتية، ومعلومات دقيقة، وتنسيق يمنع الخصم من استغلال أي ثغرة.
فالواوي لا يحتاج إلى جيش كبير حتى يسبب الأذى؛ تكفيه ثغرة، وغفلة، ولحظة ضعف.
أما السبع، فليس المطلوب منه أن يبحث عن معركة في كل مكان، بل أن يكون مستعداً عندما تأتي المعركة.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأعمق التي يمكن قراءتها خلف ذلك المثل الشعبي. السيادة ليست مجرد احتفال بخروج القوات الأجنبية، وليست إعلاناً سياسياً ينتهي بانتهاء المراسم، وإنما مسؤولية يومية تتطلب قوةً ويقظةً ومعرفةً بما يجري خلف المشهد.
فإذا كان الواوي عنواناً للمكر والتخفي واقتناص الفرص، فإن حزام السبع ينبغي أن يكون عنواناً للجاهزية وعدم التهاون.
وبين الاثنين، تبقى السيادة الحقيقية هي أن تعرف الدولة أين يكمن الخطر، قبل أن يتحول من واوي مختبئ إلى تهديد ظاهر على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى