باب المندب: الجيوسياسيا ومجريات الصراع

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق
تُعد اليمن واحدة من أهم المرتكزات الجيوسياسية والحيوية في المنطقة؛ إذ يمثل ساحلها الغربي الممتد على شواطئ البحر الأحمر والذي يضم مينائي الحديدة والمخا ومضيق باب المندب محوراً اقتصادياً واستراتيجياً ثابتاً. إن اختزال هذا الموقع في مجرد ورقة تفاوضية مرحلية يُعد إغفالاً لأبعاده الحقيقية، فهو الشريان الحيوي لشمال اليمن ووسطه، ومنه تعبر أكثر من 70% من الواردات الغذائية والإغاثية. ومن يسيطر على هذا الساحل لا يتحكم بأحد أهم المنافذ البحرية للبلاد وثرواتها السمكية والنفطية الواعدة فحسب، بل يكتسب وزناً جيو استراتيجياً ثابتاً لا يرتبط بنظام سياسي معين أو صراع مؤقت.
يشرف اليمن على مضيق باب المندب الذي يعبر من خلاله نحو 10% إلى 12% من التجارة العالمية، ونسبة كبيرة من شحنات النفط والغاز المتجهة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. ويمثل هذا الممر نقطة التقاء استراتيجية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، والخط الدفاعي الأول لأمن البحر الأحمر والعصب الرئيسي لمشروعات الربط التجاري الدولي. قيمته الأزلية مستمدة من وجود اليمن نفسه، وإن كان الصراع الإقليمي الحالي قد سلط الضوء عليها بشكل أكبر؛ فاستقرار اليمن بات جزءاً لا يتجزأ من استقرار خطوط الإمداد العالمية، وما شهده العالم مؤخراً من اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف التأمين البحري عند توتر الأوضاع في البحر الأحمر خير دليل على أن قيمته الجغرافية تتجاوز أي صراع داخلي محدود.
لم تعد التطورات الميدانية في الساحل الغربي مجرد إعادة توزيع للخريطة العسكرية أو تحركات تكتيكية، بل تحولت إلى ترتيبات جيوسياسية طويلة الأجل. السيطرة هنا لا تقاس فقط بالتقدم العسكري أو كسب مساحات جديدة، بل بالقدرة على فرض السيطرة والمشروعية على الموانئ والشواطئ الحيوية، واستغلال هذا النفوذ الميداني في صياغة أي تسوية سياسية أو تحالفات إقليمية قادمة.
لقد انتقلت الأطراف المسؤولة عن إدارة هذه المناطق الحيوية من المخا ومحيط باب المندب جنوباً إلى موانئ الحديدة شمالاً من الاكتفاء بالوجود العسكري المباشر إلى تثبيت إدارة محلية، وتأمين خطوط الملاحة، وإنشاء شبكات مصالح اقتصادية واجتماعية تجعل من الصعب انتزاع هذا النفوذ مستقبلاً. هذا النفوذ المستدام على الممرات البحرية يمنح القوى الميدانية الفاعلة ورقة ضغط ثقيلة في أي مفاوضات سياسية، بعد أن أصبحت رقماً صعباً في معادلة أمن الملاحة الدولية بالبحر الأحمر. بات مضيق باب المندب حاضراً بصورة أكثر خطورة في حسابات الأطراف الدولية والإقليمية، وتحديداً مع تصاعد حدة التوتر والتأثير المباشر للفاعلين على الأرض، سواء عبر نفوذ أنصار الله في شمال الساحل الغربي وقدرتهم على استهداف خطوط الملاحة، أو عبر التواجد العسكري والأمني لمكونات أخرى في مديرية ذُباب وجزيرة ميون ومحيط المخا.
واشنطن وحلفاؤها الغربيون. يُنظر إلى أي تهديد للملاحة في ذُباب ومحيط جزيرة ميون على أنه تهديد مباشر للأمن البحري وحرية التجارة العالمية, حيث تخشى واشنطن من تحول الممر إلى نقطة خنق واستنزاف للقوات البحرية الدولية المكلفة بتأمين الملاحة.
يمثل اضطراب الساحل الغربي تهديداً جيو سياسياً وأمنياً مباشراً, إذ يقلص العمق الدفاعي لمناطق كعدن ولحج، ويجعل الشريط الساحلي الاستراتيجي مسرحاً لتهديد الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة.
اما إيران تُعد القدرة على التأثير في هذا الممر ورقة ضغط وتوازن استراتيجية إضافية إلى جانب مضيق هرمز، مما يمنح طهران وحلفاءها قدرة على التأثير المباشر في حركة التجارة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
لا يمكن فصل خطوط الملاحة في البحر الأحمر عن الشريان الآخر للتجارة العالمية في الخليج العربي, إذ يشكل مضيق باب المندب ومضيق هرمز منظومة واحدة متكاملة لأمن الطاقة الدولي. فبينما يمثل باب المندب بوابة العبور نحو قناة السويس وأوروبا، يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وأكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
إن أي انسداد أو تهديد لحركة الملاحة في أحد هذين المضيقين يترجم فوراً إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة العالمية. وتتجه الغالبية العظمى من شحنات الطاقة عبر هرمز إلى الاقتصاديات الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية, مما يعني أن اضطراب الإمدادات يرفع تكلفة الإنتاج الصناعي وسلاسل التوريد العالمية بشكل تراكمي .
ومع ارتفاع أسعار الشحن والتأمين البحري في هذه الممرات الحيوية، تتغذى موجات التضخم في أوروبا وأمريكا، مما يضغط على البنوك المركزية ويؤثر سلباً على النمو الاقتصادي العالمي. ورغم وجود بعض خطوط الأنابيب البديلة لدى دول الخليج، إلا أنها لا تستوعب سوى نسبة ضئيلة جداً من الحجم الإجمالي للتدفقات اليومية، ما يجعل ملف المعابر البحرية اليمنية والخليجية مسألة أمن قومي واقتصادي عابر للحدود يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة ليصبح ركيزة أساسية في الاستقرار المالي وأمن الطاقة العالمي.



