حين يصبح الإنسان غريبًا في المكان الذي أحبّه .

بقلم /احمد وحيد ـ مصر
ليس أصعب ما في الغربة أن تبتعد عن وطنك، فقد يسافر الإنسان بعيدًا وتظل روحه معلقة في المكان الذي يحب.
لكن الغربة الحقيقية أن تعيش بين أهلك، وتجلس وسط الذين تعرفهم ويعرفونك، ثم تشعر فجأة أنك وحيد… كأن بينك وبين الجميع مسافة لا تُرى.
ثمة غربة لا تُقاس بعدد الكيلومترات، وإنما بعدد المرات التي احتجت فيها إلى قلبٍ يفهمك، فلم تجد.
نحن لا نتعب دائمًا من قسوة الحياة، بقدر ما نتعب من اضطرارنا إلى أن نظهر أمام الآخرين بأننا بخير.
كم من إنسان يبتسم كل صباح، ويصافح الناس، ويتحدث معهم عن تفاصيل الحياة الصغيرة، ثم يعود إلى غرفته في المساء ليخلع عن وجهه تلك الابتسامة، ويجلس وحيدًا أمام نفسه، حيث لا يستطيع أن يكذب.
هناك أشياء كثيرة لا نقولها.
ليس لأننا لا نملك الكلام، وإنما لأننا أدركنا أن بعض الكلام حين يخرج لا يجد قلبًا يستقبله.
ومع مرور السنوات، يتعلم الإنسان أن الصمت ليس دائمًا علامة رضا، وأن الهدوء ليس دليلًا على أن كل شيء بخير.
فربما كان وراء ذلك الصمت حديث طويل لم يجد صاحبه من يسمعه، وربما كان وراء الهدوء قلبٌ أنهكته كثرة الخيبات.
نحن لا نتغير كما يظن البعض… نحن نتعب.
تتغير طريقة حديثنا، وضحكاتنا، واهتماماتنا، وحتى الأشخاص الذين نختار أن نجلس معهم، ليس لأننا أصبحنا أفضل أو أسوأ، وإنما لأن الحياة علمتنا أن نضع لكل شيء حدًا.
في بدايات العمر، كنا نمنح ثقتنا بسهولة، ونصدق الوعود، ونظن أن المحبة وحدها تكفي لكي تبقى الأشياء.
ثم كبرنا قليلًا، فاكتشفنا أن بعض الوعود تُقال لتُنسى، وأن بعض القلوب جميلة ما دامت الأمور تسير كما تريد، وأن بعض العلاقات لا يصمد أمامها أول اختبار حقيقي.
وعندها يبدأ الإنسان في بناء جدرانه.
لا لأنه يكره الناس، وإنما لأنه لم يعد يحتمل أن يدفع ثمن طيبته كل مرة.
ولعل أقسى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يكره الآخرين، وإنما أن يتوقف عن انتظار شيء منهم.
فحين يتوقف المرء عن الانتظار، يكون قد وصل إلى مرحلة لم يعد فيها الغياب يؤلمه كما كان، ولا الحضور يسعده كما كان.
يصبح وجود الآخرين جميلًا، لكنه ليس ضرورة.
ويصبح الرحيل مؤلمًا، لكنه ليس نهاية العالم.
وهنا يبدأ الإنسان في اكتشاف نفسه من جديد.
يكتشف أن عليه أن يتصالح مع وحدته، وأن يتعلم كيف يجلس مع نفسه دون خوف، وكيف يجد في داخله شيئًا من السكينة التي كان يبحث عنها طويلًا في الآخرين.
وليس معنى ذلك أن نعيش بلا أصدقاء، أو أن نغلق أبواب قلوبنا، أو أن نتحول إلى أشخاص قساة.
على العكس تمامًا.
أن تحب الناس، وأن تمنحهم الخير، وأن تكون وفيًّا لمن أحببت، ثم تعرف متى تتراجع حين لا تجد التقدير… تلك ليست قسوة.
إنها حكمة اكتسبتها من الألم.
الحياة لا تعلمنا دائمًا بالطريقة التي نحبها.
أحيانًا تعلمنا بالفقد، وأحيانًا بالخذلان، وأحيانًا بأشخاص كنا نظن أنهم سيبقون معنا إلى آخر الطريق، فإذا بهم أول من يتركنا في منتصفه.
لكن بعد كل ذلك، علينا أن نتذكر أن الإنسان لا ينبغي أن يسمح لتجربة سيئة أن تجعله سيئًا، ولا لخيانة أن تسرق منه الوفاء، ولا لقسوة الآخرين أن تقتل رحمته.
كن طيبًا… ولكن لا تكن ساذجًا.
سامح… ولكن لا تسمح لمن يؤذيك أن يعيد الأذى نفسه.
أحب… ولكن لا تنسَ نفسك وأنت تحب.
وامضِ في حياتك، حتى لو اضطررت أحيانًا أن تمشي وحدك.
فالوحدة أحيانًا ليست عقابًا، وإنما فرصة نادرة لكي تسمع صوتك بعدما أمضيت سنوات طويلة وأنت تستمع إلى أصوات الآخرين.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الناس حوله.
قد يحتاج فقط إلى قلب صادق واحد، ويد لا تتركه حين تشتد الأيام، وشخص يستطيع أن يفهم صمته قبل أن يسأله: «ماذا بك؟»
أما إن لم يجد ذلك كله، فلا بأس…
فبعض الطرق خُلقت لكي نمشيها وحدنا، لا لأننا بلا أحبة، وإنما لأن الله يريد أن نكتشف في الطريق أننا أقوى مما كنا نظن.
وأحيانًا، حين يصبح الإنسان غريبًا في المكان الذي أحبّه، يبدأ لأول مرة في العودة إلى المكان الذي كان قد نسيه طويلًا… إلى نفسه.



