ملحمة على ضفاف القلب

كتب /احمد وحيد _ مصر
في أعماق الكائن البشري، تدور أحداثٌ لا تراها الأعين، وتُخاض معاركُ لا تُسمع لها صيحات حرب؛ إنها ملحمة على ضفاف القلب، حيث تتلاطم أمواج المشاعر، وتتصارع الأشواق مع الكتمان، وتتساقط ذكريات العمر لتشكل تضاريس الروح.
ففي عمق الجحيم العاطفي ،ليس القلب ذلك العضو الرقيق الذي تُهدى له الورود، بل هو أرض معارك طاحنة، وساحة تستقبل طعنات الحنين وتستنزفها الأشواق. فعبثاً نقول أن مشاعر الإنسان تُختزل غالباً في عبارات الوجد الناعمة، لكن الحقيقة أكثر توهجاً وإيلاماً ، فالمشاعر في حقيقتها، ليست سوى اعتصار ناريّ للروح.
فحين نسمع صهيل الأشواق وهي تحترق ،لا نجد ماتركته خلفها من رماد .
فالشوق في أعتى صوره ليس مجرد رغبة باللقاء، بل هو مزيجُ حاد بين الاحتياج العاطفي والتمزق الذهني.
حينها نرى حالة الشغف المفرط ، عندما يتحول الغائب إلى الفكرة الوحيدة التي تدور حولها مجرة العقل.
وعندها نشعر بنزيف الغياب ، حين نستيقظ على فراغ، حيث يصير المكان أضيق من خرم إبرة، والزمان بطيئاً كالقطران.
عند ذلك تنشأ معركة كبيرة ، تسمى صراع الكبرياء ، تلك المعركة الطاحنة بين كتمان الشعور لحفظ الكرامة، وبين الرغبة الجارحة في الصراخ والاعتراف.
حين تتجسد القسوة في أن الأشواق لا تُرى بالعين المجردة؛ فبينما يراك العالم تمشي بهدوء وسكون ، بالرغم من وجود مجرات كاملة تنهار داخل صدرك في نفس اللحظة.
حينها نرسم جغرافيا الأذى ، عندما تنقلب العاطفة سيفاً على هذه الضفاف، فلا يوجد متفرجون؛ فالقلب يتعرض لإطلاق نار يستهدف كوامنه كافة …..
إن “أشد أنواع الألم ليس ذلك الذي يمزق الجسد، بل الذي يستوطن الروح دون أن يمنحك رفاهية الصراخ.”
والملحمة الحقيقية هي التي نخوضها مع الذكريات. فالذكرى ليست ألبوماً صورياً ناعماً، بل هي مشرط يفتح الجراح القديمة في كل مرة يمر فيها طيف، أو نغمة صوت، أو رائحة عابرة. إنها القوة التي تجعلك تتذكر تفاصيل صغيرة جداً، فقط لتدرك حجم خسارتها اليوم.
والنضج الذي يولد من الرماد
لا يُخرِج أحدٌ من هذه الملحمة كما دخلها. إنها صياغة جديدة للشخصية؛ فتلك الحرائق الوجدانية تدمر الهشاشة وتصنع مكاناً لصلابة مستحدثة.
فالذين خاضوا جحيم الشوق وخرجوا منه، يمتلكون عيوناً ترى العالم بوضوح مرعب؛ يعرفون قيمة الحضور، وقسوة الغياب، وأهمية أن يظل الإنسان متماسكاً حتى لو كانت ضفاف قلبه تغرق في طوفان من الدموع غير مرئية.



