آراء حرة

التعيين يراود كل شاب بصري

كتب : الدكتور فاروق عبد الزهرة الظالمي

التعيين أصبح هاجسًا يراود كل شاب وشابة في البصرة، بل وفي عموم العراق. فبعد سنوات طويلة من الدراسة والتعب والسهر، يتخرج الشاب حاملاً شهادة جامعية، لكنه يصطدم بسؤال صعب: أين ستكون فرصته في العمل؟

ما الذي تغيّر؟

في مراحل سابقة من تاريخ الدولة العراقية، كانت هناك آليات أكثر ارتباطًا بين مخرجات التعليم وحاجة مؤسسات الدولة إلى الموظفين، وكانت حاجة الوزارات والدوائر تؤخذ بنظر الاعتبار عند توزيع الخريجين. أما اليوم، فإن أعداد الخريجين الكبيرة، وخصوصًا مع اتساع التعليم الأهلي، جعلت المشكلة أكثر تعقيدًا.

ولا يمكن أن نحمّل الطالب وحده مسؤولية هذه المشكلة.

فالتعليم الأهلي أصبح جزءًا مهمًا من المنظومة التعليمية، وساهم في استيعاب أعداد كبيرة من الطلبة، خصوصًا مع محدودية الطاقة الاستيعابية في بعض التخصصات والجامعات الحكومية. ووزارة التعليم العالي نفسها بدأت خلال عام 2026 باتخاذ إجراءات لإعادة تقييم مسار التعليم الأهلي، ومنها إيقاف استحداث جامعات وكليات وأقسام علمية أهلية جديدة، بما ينسجم مع هدف ترصين التعليم وربط مخرجاته بحاجات المجتمع. (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي)

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو:

هل لدينا دراسة وطنية دقيقة تحدد عدد الخريجين الذين سيخرجون من كل تخصص خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، وتقارن ذلك بحاجات الدولة والقطاع الخاص وسوق العمل؟

إذا لم تكن لدينا مثل هذه الدراسة، فعلينا أن نبدأ بها.

لماذا لا نربط التعليم بسوق العمل؟

لماذا لا تكون هناك قاعدة بيانات وطنية توضح أعداد الطلبة في كل تخصص، وأعداد الخريجين المتوقعين، وحاجة الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات والمستشفيات والمدارس إلى هذه التخصصات؟

ولماذا لا يتم التوسع في تخصصات يحتاجها سوق العمل، وتقليل القبول في التخصصات التي أصبحت أعداد خريجيها تفوق الحاجة؟

أما خريجو الجامعات والكليات الأهلية، فمن الضروري فتح أبواب القطاع الخاص أمامهم بصورة حقيقية، من خلال تشجيع الشركات والمستشفيات والمدارس والمؤسسات الأهلية على تشغيل الخريجين وفق تخصصاتهم، مع وجود رقابة تضمن حقوقهم وأجورهم وظروف عملهم.

فليس من المنطقي أن يدفع المواطن سنوات من عمره في الدراسة، ثم يجد نفسه بعد التخرج أمام طريق مسدود.

العدالة في التعيين

أنا لا أطالب بإلغاء المفاضلة، ولا أطالب بأن يحصل الجميع على التعيين الحكومي في وقت واحد، وإنما أطالب بأن تكون هناك آلية واضحة وشفافة وعادلة.

تكون فيها المفاضلة وفق معايير معلنة، مثل:

* حاجة الدولة الفعلية إلى التخصص.
* معدل الخريج.
* سنة التخرج.
* الخبرة والكفاءة حيثما كانت مطلوبة.
* الظروف والفئات التي يمنحها القانون أولوية.
* وجود درجات وظيفية فعلية ومعلنة.
* ومنع المحسوبية والوساطة والتدخلات غير القانونية.

فالعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، وإنما أن تكون القواعد واضحة وتطبق على الجميع دون تمييز غير مشروع.

يا دولة رئيس الوزراء.. ويا مجلس النواب

نحن بحاجة إلى دراسة جدوى وطنية شاملة لمستقبل التعيين، لا أن نبقى كل عام أمام آلاف الخريجين وهم ينتظرون إعلان درجات وظيفية جديدة.

نحتاج إلى تخطيط يبدأ من المرحلة التي يختار فيها الطالب تخصصه، وينتهي عند دخوله إلى سوق العمل.

وأقترح أن تكون هناك خطة وطنية تشترك فيها وزارات التعليم العالي والتربية والعمل والتخطيط والمالية، إضافة إلى القطاع الخاص، لتحديد احتياجات العراق من التخصصات خلال السنوات المقبلة.

فإذا كانت الدولة تعرف مسبقًا أنها تحتاج، مثلًا، إلى آلاف المهندسين أو الأطباء أو المعلمين أو الممرضين، فلتخطط لقبول الطلبة بما يتناسب مع هذه الحاجة. وإذا كان تخصص معين قد وصل إلى مرحلة التشبع، فيجب أن تتم مراجعة أعداد القبول فيه.

كلمة إلى النائب عدي عواد

وأجد من الإنصاف أن أشير إلى النائب عدي عواد التميمي، الذي أرى أنه من الأصوات التي تتابع قضايا أهل البصرة وتقترب من مشاكل المواطنين، ومن بينها ملف فرص العمل.

إن فتح مكاتب لمتابعة شؤون المواطنين والاستماع إلى مشاكل العوائل والشباب خطوة يمكن أن تكون مفيدة إذا اقترنت بمتابعة حقيقية للملفات وإيصالها إلى الجهات المختصة.

ونحن نأمل منه ومن جميع ممثلي البصرة في مجلس النواب أن يجعلوا ملف تشغيل شباب البصرة من الملفات التي تحظى بالمتابعة المستمرة، ليس من خلال المطالبة بالتعيين فقط، وإنما من خلال الضغط باتجاه وضع خطة اقتصادية وتشغيلية طويلة الأمد تستوعب خريجي البصرة.

وأخيرًا

الشاب البصري لا يريد صدقة، ولا يريد واسطة، ولا يريد أن يبقى واقفًا أمام أبواب المسؤولين.

الشاب يريد فرصة عادلة.

يريد أن يشعر أن سنوات دراسته لم تذهب سدى، وأن شهادته يمكن أن تقوده إلى عمل كريم، وأن مستقبله لا يتوقف على معرفة شخص أو امتلاك واسطة.

لذلك أضع هذا المقترح أمام الحكومة ومجلس النواب ووزارة التعليم العالي ووزارة التخطيط، وأمام جميع ممثلي البصرة:

خططوا لمخرجات التعليم قبل أن يتخرج الطالب، وخططوا لسوق العمل قبل أن يصل الخريج إلى باب التعيين.

فالعراق لا تنقصه الطاقات الشابة، وإنما يحتاج إلى تخطيط حقيقي يستثمر هذه الطاقات ويمنحها فرصة عادلة لبناء الوطن.

بقلم
الدكتور فاروق عبد الزهرة الظالمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى