آراء حرة

سوريا وحزب الله… تقاطع المصالح رغم التناقض الأيديولوجي

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق

لم يعد التحرك التركي في المساحة الممتدة بين سوريا ولبنان مجرد نشاط دبلوماسي عابر، خصوصاً مع الحديث عن اتصالات تركية ساهمت في فتح قناة بين الحكومة السورية وحزب الله لاحتواء التوتر بين الجانبين. وإذا كانت المعلومات التي تحدثت عنها وكالة رويترز بشأن اجتماع سري في تركيا خلال أيلول الماضي صحيحة، فإن أهمية هذا التحرك لا تكمن في الاجتماع بحد ذاته، بقدر ما تكمن في التوقيت والبيئة الإقليمية التي أنتجته. فأنقرة تتحرك في لحظة يُعاد فيها تشكيل المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، فيما يواجه لبنان سؤالاً بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل سلاح حزب الله ودوره داخل الدولة، بينما تعيد القوى الإقليمية والدولية حساباتها بشأن مواقع النفوذ في المشرق. وتكتسب المسألة حساسية أكبر لأن الطرفين اللذين يجري الحديث عن جمعهما عبر الوساطة التركية كانا، حتى وقت قريب، يقفان على طرفي نقيض في المشهد السوري. فقد قاتل حزب الله إلى جانب الأسد خلال الحرب السورية، بينما جاءت السلطة السورية الجديدة من بيئة سياسية وعسكرية معادية للنظام السابق وللقوى التي ساندته. وبعد سقوط الأسد في أواخر عام 2024، تحولت الحدود السورية اللبنانية من مساحة عبور وإسناد ضمن منظومة إقليمية معروفة إلى منطقة تفرض على الطرفين البحث عن قواعد جديدة للعلاقة. من هنا يمكن فهم أهمية التحرك التركي. فأنقرة، التي أصبحت صاحبة نفوذ واسع في سوريا الجديدة، لا تنظر إلى الحدود السورية اللبنانية باعتبارها شأناً سورياً محضاً، لأن أي اضطراب فيها يمكن أن ينعكس على استقرار سوريا نفسها، وعلى علاقاتها مع لبنان، وعلى مجمل التوازنات التي تعمل تركيا على بنائها في المنطقة ولذلك فإن احتواء التوتر بين دمشق وحزب الله قد يكون، من المنظور التركي، أقل كلفة من تركه يتطور إلى مواجهة مفتوحة تحمل معها تداعيات أمنية وسياسية تتجاوز البلدين. واللافت أن التحرك التركي يأتي في بيئة إقليمية لم تعد فيها الوساطة تعني بالضرورة الانحياز إلى أحد أطراف الصراع. فالدولة التي تريد أن تتحول إلى لاعب إقليمي مؤثر تحتاج إلى أن تمتلك قنوات اتصال مع خصوم متناقضين، وأن تكون قادرة على التواصل مع الأطراف التي لا تشترك معها في المرجعية السياسية أو الأيديولوجية. وهذا ربما يفسر كيف يمكن لتركيا، ذات الخلفية السياسية المختلفة جذرياً عن حزب الله، أن تدخل على خط العلاقة بين الحزب ودمشق. فالتناقض الأيديولوجي العقدي بين أنقرة وحزب الله حقيقي ولا يمكن تجاهله، كما أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، في حين يرتبط حزب الله استراتيجياً بإيران. لكن العلاقات الدولية لا تُدار دائماً بمنطق التقارب العقائدي؛ ففي كثير من الأحيان تفرض الجغرافيا والأمن والمصالح المشتركة قنوات اتصال بين أطراف لا تجمعها رؤية واحدة. وقد يكون هذا تحديداً ما يحدث هنا. تراجع أهمية الأيديولوجيا أمام ضرورة إدارة المصالح والمخاطر. وبحسب المصادر التي تحدثت إليها رويترز، ركزت الاتصالات على مسائل أمنية، بينها عبور السلاح عبر الحدود والنشاطات المنسوبة إلى خلايا مرتبطة بحزب الله في سوريا، في مقابل حديث عن تعهد سوري بعدم التدخل عسكرياً في لبنان لنزع سلاح الحزب. لكن دمشق نفت حدوث الاجتماع، كما نفت تركيا وجود مثل هذا اللقاء، ولذلك لا يمكن التعامل مع هذه التفاصيل باعتبارها اتفاقاً سورياً لبنانياً أو تركياً حزبياً مؤكداً. ومع ذلك، فإن أهمية الرواية لا تتوقف على إثبات الاجتماع أو عدمه، لأن مجرد طرح هذه الفكرة يكشف طبيعة المعضلة التي تواجه المنطقة. سوريا تريد تثبيت سيادتها على أراضيها ومنع استخدام حدودها كمنطقة نفوذ لقوى مسلحة، وحزب الله يريد حماية خطوطه الأمنية والسياسية في بيئة تغيرت جذرياً بعد سقوط الأسد، بينما تسعى تركيا إلى منع تحول التناقض السوري اللبناني إلى أزمة أمنية جديدة على تخوم نفوذها. وهنا يدخل لبنان في قلب المعادلة. فمستقبل سلاح حزب الله لم يعد قضية لبنانية داخلية فقط، بل أصبح مرتبطاً بالتوازنات الإقليمية المحيطة بلبنان. وأي تغير في العلاقة بين الحزب ودمشق يمكن أن ينعكس على قدرة الحزب على الحركة، وعلى طبيعة خطوط الإمداد، وعلى موقع الدولة اللبنانية في إدارة القرار الأمني والعسكري. ولذلك فإن التواصل بين سوريا وحزب الله، إذا تحول إلى مسار مستقر، لن يكون بلا آثار على التوازن اللبناني، حتى لو لم يتناول مباشرة مستقبل النظام السياسي في بيروت. أما إيران، فتبدو أمام معادلة أكثر تعقيداً. فحزب الله يمثل أحد أهم حلفائها الإقليميين، بينما أصبحت سوريا بعد الأسد بيئة سياسية مختلفة عن تلك التي كانت تشكل جسراً استراتيجياً بين طهران والحزب. وإذا جرى بالفعل فتح قنوات تفاوضية حول مستقبل العلاقة السورية اللبنانية من دون مشاركة إيرانية مباشرة، فإن ذلك يعني أن بعض الملفات التي كانت تُدار سابقاً ضمن شبكة نفوذ إيرانية أوسع يمكن أن تنتقل تدريجياً إلى مسارات إقليمية متعددة الأطراف. غير أن ذلك لا يكفي للقول إن حزب الله يبتعد عن إيران أو أن تحالفهما دخل مرحلة جديدة؛ فهذه استنتاجات أكبر من المعطيات المتاحة حالياً. وفي المقابل، لا ينبغي قراءة الدور التركي على أنه مجرد محاولة للوساطة بين خصمين. فتركيا تبدو معنية ببناء بيئة إقليمية أكثر قابلية للإدارة، خصوصاً في سوريا ولبنان، حيث تتقاطع الحدود والأمن والنفوذ الإقليمي. وكلما نجحت أنقرة في فتح قنوات مع أطراف متباعدة، ازدادت قدرتها على التأثير في صياغة التوازنات الجديدة، حتى من دون أن تتحول إلى حليف مباشر لأي طرف. لذلك فإن المسألة تتجاوز السؤال عن وجود وساطة تركية من عدمها، إلى سؤال أكبر يتعلق باتجاه المنطقة نفسها؟
هل انتقل الشرق الأوسط من مرحلة إدارة الصراعات عبر المحاور إلى مرحلة إدارة المصالح عبر قنوات متعددة ومتقاطعة إذا كان الأمر كذلك، فإن ما يحدث بين سوريا وحزب الله، بوساطة تركية محتملة، يمثل واحداً من المؤشرات على أن مرحلة ما بعد الأسد لا تعيد رسم موقع سوريا فقط، بل تعيد أيضاً ترتيب العلاقة بين دمشق وبيروت وطهران وأنقرة، وتعيد تعريف وظيفة الحدود السورية ـ اللبنانية من ممر للصراع والنفوذ إلى ورقة من أوراق التفاوض الإقليمي. وهنا تحديداً تصبح تركيا طرفاً يستحق المتابعة، ليس لأنها تتقاطع أيديولوجياً مع حزب الله، بل لأنها تتحرك في منطقة تتراجع فيها أهمية التشابه العقائدي عندما تتقدم حسابات الجغرافيا والأمن والمصلحة. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تبدأ التحولات الكبرى من قنوات اتصال تبدو في بدايتها مستحيلة، ثم تكشف لاحقاً أن الخصومة شيء، وإدارة الخصومة شيء آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى