آراء حرة

  العام الدراسي الجديد وحساسية الأيام الأولى

كتب :  د. صلاح حمادي الحجاج ـ العراق

 

 في كل بداية عام دراسي جديد، تبدأ تحديات كثيرة، لها أبعاد ومجالات متعددة، منها ما هو لوجستي معروف، ومنها ما يرتبط ببعض المخاوف التي تتولد لدى الطلبة مع بدايات العام الدراسي، ولا سيما أن الطالب يكون قد اعتاد، خلال أشهر العطلة، نمطًا مختلفًا من الحياة يقوم على الراحة وحرية الوقت وتراجع الالتزامات اليومية.

     إن التغيير الذي يحدث في نمط حياة الطالب مع بداية العام الدراسي يمثل مرحلة حرجة وحساسة، إذ يجد نفسه أمام مجموعة من الالتزامات الجديدة: الاستيقاظ المبكر، والانتظام في الحضور، والتحضير للدروس، والجلوس ساعات طويلة، وإنجاز الواجبات، والاستعداد للاختبارات، وغيرها من المهام التي تتطلب منه إعادة تنظيم حياته بصورة مختلفة عما اعتاده خلال العطلة.

     وهنا يبدأ دور المدرسة، وهو دور لا يقتصر على تهيئة الكادر التدريسي أو إعداد الجداول الدراسية، بل يبدأ، في تقديري، من المكان نفسه، من بناية المدرسة، ومن أهمية تهيئتها بصورة جميلة ومناسبة لاستقبال عام دراسي جديد، بما يمنح الطالب شعورًا بأن ثمة حياة جديدة تبدأ في هذا المكان. وقد تكون الإمكانات محدودة، ولا سيما في ظل عدم وجود ميزانية كافية مخصصة لهذا الجانب في المؤسسات التربوية، لكن محدودية الإمكانات لا تعني بالضرورة غياب القدرة على صناعة بيئة أكثر جمالًا وتنظيمًا ودفئًا.

     أما الخطوة الثانية، والأكثر أهمية، فتتمثل في (مدرس المادة) لأن المدرس لا يدخل الصف حاملًا المادة العلمية فحسب، وإنما يدخل حاملًا معه قدرًا كبيرًا من القدرة على التأثير في الطالب نفسيًا وتربويًا وإنسانيًا. وهنا تبرز أهمية خلق أجواء تفاعلية تربوية لا تخلو من المحبة والوئام، من أجل كسب الطالب وكسر حاجز الخوف من الدرس أو من مدرس المادة، ليصبح بعدها أكثر استعدادًا لتلقي المعلومة والدخول في معترك الدراسة بروح مختلفة.

     فثمة وسائل نفسية وتربوية لا تقل أهمية عن الدرس العلمي نفسه، بل يمكن النظر إليها بوصفها مكملة له وداعمة وساندة ايضا،  لأنها تنقل الطالب من مجرد شخص موجود داخل نمط روتيني يشعر بأنه مفروض عليه، إلى طالب يشعر بالانتماء إلى المكان، ويبدأ بحب المدرسة والصف والمادة، قبل أن يفكر في الاجتهاد والنجاح. وهذه المسألة، في جانب كبير منها، تقع ضمن أدوات المدرس نفسه، وما يمتلكه من أساليب تجعل من الدرس محطة ينتظرها الطالب، لا ساعة يتمنى انتهاءها.

     وهنا نستذكر مقالنا السابق (المدرس المحبوب يصنع طالبًا مجتهدًا)، لأن علاقة الطالب بمدرسه وبالمادة يمكن أن تشكل دافعًا مهمًا نحو الاجتهاد. فالطالب الذي يجد في مدرّسه نموذجًا قريبًا منه، يشعر برغبة أكبر في النجاح، وكأنه يريد أن يكون عند مستوى الثقة التي يمنحه إياها مدرّسه، وأن يكون جديرًا بالمادة التي أحبها من خلاله.

اذ ان المدرس لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للمعلومة، بل صانعًا لبيئة انتماء داخل الصف، بيئة يشعر فيها الطالب أنه مرحب به، ومسموع، ومحترم، وقادر على السؤال والمشاركة والخطأ والمحاولة من دون خوف. او احراج او ارتباك.

    ولا يكتمل هذا الدور من دون الأسرة، فهي القوة الساندة التي يحتاج إليها الطالب في هذه المرحلة الانتقالية ويبدأ دورها بتهيئة الطالب نفسيًا وتنظيم نمط حياته بما يتناسب مع العام الدراسي، ولا سيما أوقات النوم والاستيقاظ والدراسة، مع توفير أجواء أسرية هادئة تشجعه على الالتزام من دون أن تحوّل الدراسة إلى مصدر دائم للضغط والخوف.

    كما أن متابعة الأسرة ينبغي أن تقوم على الدعم والثقة والحوار، لا على المقارنة والضغط المستمر من أجل الدرجات. فاستماع الأسرة إلى مخاوف الطالب، وتشجيعه، ومساندته عند التعثر، والتواصل الإيجابي مع المدرسة والمدرس، كلها عوامل تساعد على تحقيق الاستقرار النفسي والدراسي.

     وعندما تتكامل أدوار المدرسة والمدرس والأسرة، يجد الطالب نفسه محاطًا ببيئة تربوية واحدة، هدفها مساعدته على التكيف والنجاح وبناء علاقة إيجابية مع الدراسة.

     ولعل هذه الأدوات، على بساطتها، تكشف لنا أن التربية ليست مجموعة تعليمات تلقى على الطالب، وليست مادة دراسية تحفظ ثم تنسى، إنها علاقة إنسانية قبل أن تكون عملية تعليمية. وكلما شعر الطالب بأن المدرسة مكان يحترمه ويحتويه، وأن المدرس شخص يؤمن بقدرته ويساعده على اكتشاف إمكاناته، وأن الأسرة تقف إلى جانبه وتمنحه الثقة، تراجع ذلك الشعور القلق الذي يصاحب البدايات.

     فالأيام الأولى من العام الدراسي ليست أيامًا عابرة كما قد تبدو، بل هي مرحلة تأسيسية تتشكل فيها صورة الطالب عن المدرسة، وعن المدرس، وعن المادة، وربما عن العام الدراسي كله. ولهذا فإن حسن التعامل معها قد يختصر كثيرًا من المسافات، بينما قد يؤدي الإهمال أو القسوة أو تحويل البداية إلى قائمة من الأوامر والواجبات إلى بناء حاجز يصعب كسره لاحقًا.

      إن الطالب لا يحتاج في أيامه الأولى إلى أن نذكّره فقط بما عليه أن يفعل، بل يحتاج أيضًا إلى من يجعله يرغب في أن يفعل. وهذه هي المسافة الفاصلة بين الطالب الملتزم خوفًا من العقوبة، والطالب الملتزم لأنه وجد معنى لما يتعلمه.

ويمكن ذكر اهم الأدوات التي يمكن للمدرس الاستعانة بها لتحقيق هذا الهدف:

  1. 1. الالتزام بموعد المحاضرة، لأن احترام الوقت يرسخ لدى الطالب قيمة الانضباط، ويمنحه شعورًا بأهمية الدرس.
  2. 2. تخصيص وقت للتعارف والتقرب من الطلبة، ولا سيما في الأيام الأولى، فمعرفة الطالب والاقتراب منه إنسانيًا يساعدان على بناء علاقة تربوية أكثر توازنًا.
  3. 3. جعل الدرس تفاعليًا، وإشراك أكبر عدد ممكن من الطلبة، بحيث لا يبقى الصف مساحة للكلام من طرف واحد.
  4. 4. استخدام العبارات التشجيعية التي ترفع الروح الاجتهادية لدى الطلبة، وتمنحهم الثقة بقدرتهم على التعلم والتقدم.
  5. 5. التعامل بحيادية وعدالة مع الجميع، والابتعاد عن التمييز بين الطلبة، لأن الشعور بالعدالة من أهم مقومات البيئة الصفية الآمنة.
  6. 6. استخدام وسائل التوضيح والموازنة بين الطرح النظري والتطبيق العملي، حتى لا تتحول المادة إلى معلومات مجردة منفصلة عن حياة الطالب.
  7. 7. فتح المجال أمام الطلبة لتقديم مقترحاتهم حول الدرس، حتى وإن كانت بعض الأفكار خارج حدود المنهج؛ فالسؤال والمقترح والمناقشة يمكن أن تكون أبوابًا لاكتشاف اهتمامات الطالب.
  8. 8. الاستعانة بأمثلة من الحياة الواقعية، وربط المادة بما يعيشه الطالب ويراه في محيطه، لأن المعلومة تصبح أكثر حضورًا عندما يشعر الطالب بأنها تمس حياته.
  9. 9. استخدام لغة بسيطة ومفهومة من الجميع، من دون الإخلال بالعمق العلمي، لأن وضوح اللغة يساعد على إزالة الحواجز بين الطالب والمعلومة.
  10. 10. خلق شعور لدى الطالب بأن المدرس معه ومساند له داخل الصف وخارجه، وأن دوره لا ينتهي بانتهاء المحاضرة، وإنما يمتد إلى توجيه الطالب ومساعدته على تجاوز ما يواجهه من صعوبات دراسية.

     وفي النهاية، فإن نجاح العام الدراسي لا يبدأ يوم الامتحان، ولا عند ظهور النتائج، وإنما يبدأ من اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدام الطالب المدرسة. ومن هنا تصبح مسؤولية المدرسة والمدرس والأسرة في تلك الأيام أكبر من مجرد استقبال الطالب، إنها مسؤولية صناعة البداية. فـالمدرسة تهيئ المكان، والمدرس يهيئ العقل، والأسرة تهيئ النفس، والطالب هو محور هذه المنظومة كلها. ولأن البدايات تترك أثرها في كل ما يأتي بعدها، فإن العناية بالأيام الأولى ليست تفصيلًا هامشيًا في العملية التربوية، بل هي جزء من صناعة عام دراسي أكثر استقرارًا وتفاعلًا وإنسانية.

فالبداية الصحيحة تصنع عامًا دراسيًا موفقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى