ذيول إيران.. توصيف سياسي أم هندسة للإقصاء؟

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق
أصبح الخطاب الإلكتروني الحديث، في بعض تجلياته، أداةً للهندسة الاجتماعية والسياسية، إذ تحوّلت بعض المفردات من أدوات لتوصيف المواقف إلى أسلحة لفظية تُستخدم في تصنيف الآخرين وإقصائهم. ومن بين هذه المفردات مصطلح ذيول إيران، الذي قد يُستخدم أحيانًا كتوصيف سياسي، لكنه في كثير من الحالات يتجاوز حدود الموضوعية ليتحوّل إلى أداة للتعميم والإقصاء. فأحيانًا يُقصد بهذا المصطلح من يرتبط بشكل هيكلي أو سياسي بإيران، أو من يتبنى خطابها ويدافع عن استراتيجيتها في محيطها الإقليمي. وهذا، من حيث المبدأ، يمكن أن يكون موضوعًا مشروعًا للنقاش السياسي إذا استند إلى وقائع واضحة تتعلق بالارتباط والتنظيم والتمويل والمواقف السياسية. لكن الخلط يبدأ حين تُربط التبعية السياسية بالموقف الديني أو المذهبي. فـولاية الفقيه مفهوم فقهي وسياسي له مبانيه وتفسيراته وحدوده داخل الفكر الشيعي، في حين يرتبط التقليد الديني بالرجوع إلى الفقيه في الأحكام الشرعية. ولذلك لا يصح، من الناحية التحليلية، تحويل مجرد الانتماء المذهبي أو تقليد مرجع ديني إلى دليل تلقائي على التبعية السياسية لدولة معينة. كما أن تبني موقف سياسي يتقاطع مع الموقف الإيراني في قضية معينة لا يعني بالضرورة تبعية صاحبه لإيران. فالمواقف السياسية بطبيعتها قابلة للتغير والمراجعة، وقد يتفق شخص مع دولة في قضية ويختلف معها في قضية أخرى، انطلاقًا من حسابات وطنية أو فكرية أو سياسية. وهنا تكمن الخطورة حين يتحول المصطلح إلى أداة لـ شيطنة كل من يعارض السياسات الغربية أو الإقليمية المناهضة لإيران، أو حتى من يدعو إلى التهدئة والحوار، بغض النظر عن دوافعه الوطنية أو الفكرية. في العلوم السياسية، لا يمكن اختزال الموقف السياسي في ثنائية الولاء والعداء. فقد تتقاطع مواقف أفراد أو أحزاب أو دول حول قضايا محددة، مثل القضية الفلسطينية أو رفض التدخل الأجنبي، من دون أن يعني ذلك تطابقًا كاملًا في الرؤية أو تبعية سياسية مطلقة. إن اختزال هذه المواقف في عبارة ذيول إيران يلغي المسافة بين الموقف والتبعية، ويحوّل التقاطع السياسي إلى اتهام بالولاء المطلق، وربما إلى مفردات أشد خطورة مثل العمالة والخيانة. وهنا ينتقل النقاش من المربع السياسي إلى مربع أخلاقي وإقصائي، فتتحول السياسة إلى أداة للحكم على الأشخاص بدل مناقشة أفكارهم ومواقفهم. والأخطر من ذلك هو شخصنة الخلاف السياسي. فعبارة ذيل إيران لا تكتفي بمناقشة موقف سياسي محدد، بل تحمل إيحاءً إقصائيًا يُراد منه أحيانًا تجريد الخصم من أهليته الوطنية واستقلاليته الفكرية، وهذا اجحاف وكأن الاختلاف معه دليل على فقدان الانتماء الوطني. أما حين يُعمَّم المصطلح على الشيعة بوصفهم «ذيول إيران»، فإن الأمر ينتقل من نقد موقف سياسي إلى استهداف مكوّن مذهبي بأكمله. وهنا تتحول السياسة إلى مذهب، ويُسقط سلوك سياسي محتمل لفئة أو أفراد على جماعة مذهبية كاملة، بما يفتح الباب أمام التعميم الطائفي ويضعف مفهوم المواطنة. فالشيعي ليس بالضرورة تابعًا لإيران، كما أن غير الشيعي ليس بالضرورة معارضًا لها. والموقف من دولة أو سياسة أو مشروع إقليمي لا يمكن استنتاجه من المذهب وحده. فقد يتفق شخص مع إيران في قضية معينة، ويختلف معها في قضية أخرى، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تبعيته لها أو انتماءه إلى مشروعها السياسي.
فالـاتفاق في موقف لا يساوي الولاء، والاختلاف في موقف لا يعني بالضرورة الخصومة. إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب هو الانتقال من نقد سياسة دولة أو موقف سياسي إلى تصنيف هوياتي يضع جماعة مذهبية بأكملها في خانة واحدة. وعندها لا يعود الخلاف متعلقًا بسياسة دولة أو موقف سياسي، بل يتحول إلى صراع هويات، بما يضعف مفهوم المواطنة ويعمّق الانقسام المجتمعي، بدل أن يفتح المجال أمام نقاش هادئ حول المواقف والسياسات والمصالح. فالاختلاف مع إيران، أو الدفاع عن بعض سياساتها، أو حتى رفضها، كلها مواقف سياسية قابلة للنقاش والمراجعة والتغيير. والمطلوب هو مناقشة هذه المواقف بأدلتها ووقائعها، لا تحويلها إلى أحكام مذهبية جماعية.
فالموقف السياسي يُناقش سياسيًا، والارتباط السياسي يُثبت بالوقائع، أما المذهب فلا ينبغي أن يتحول إلى قرينة اتهام، ولا أن يصبح الاختلاف السياسي بوابةً إلى إلغاء الآخر من المجال الوطني.



