فساد المسؤولين في الحكومة العراقية.. عندما تتحول السلطة إلى غنيمة

بقلم : ةمعقل المياحي
يُعدّ الفساد من أخطر التحديات التي تواجه الدولة العراقية، لأنه لا يقتصر على سرقة المال العام، بل يمتد تأثيره إلى الخدمات، والوظائف، والاستثمار، والصحة والتعليم، وثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
ولا يعني الحديث عن الفساد اتهام جميع المسؤولين العراقيين، فهناك موظفون ومسؤولون يعملون ضمن القانون ويحاولون أداء واجباتهم. لكن استمرار قضايا الفساد وضعف الرقابة والمساءلة يطرح سؤالاً مهماً: لماذا لا تزال الدولة عاجزة عن القضاء على هذه الظاهرة رغم وجود مؤسسات رقابية وقوانين لمكافحتها؟
وفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصل العراق على 28 من 100، وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة. والمؤشر يقيس التصورات المتعلقة بفساد القطاع العام، وليس عدد قضايا الفساد التي ثبتت أمام القضاء.
ويرى صندوق النقد الدولي أن الفساد وضعف الحوكمة ما زالا يؤثران في وظائف أساسية للدولة العراقية، ومنها الجمارك والضرائب، والتراخيص، والمشتريات الحكومية، والرقابة المصرفية، وقطاعات النفط والكهرباء. كما أشار إلى أن ضعف المؤسسات والثغرات في سيادة القانون يمكن أن تسهّل الفساد.
المشكلة الأكبر أن الفساد عندما يدخل إلى العقود والمناقصات والمشاريع الحكومية لا يسرق المال فقط، وإنما يسرق فرص المواطن في الحصول على خدمة جيدة. فالمشروع الذي يُنفذ بكلفة مبالغ فيها أو بمواصفات ضعيفة يعني في النهاية أموالاً أقل للمستشفيات والمدارس والطرق والكهرباء والمياه.
كما أن المحسوبية والواسطة يمكن أن تضعف مبدأ تكافؤ الفرص، عندما تصبح الوظيفة أو العقد أو الخدمة مرتبطة بالعلاقات والنفوذ بدلاً من الكفاءة والقانون. وهنا لا يعود الفساد قضية مالية فقط، بل يتحول إلى مشكلة تهدد العدالة الاجتماعية وثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
ومواجهة الفساد لا تكون بالشعارات أو الحملات المؤقتة، وإنما تحتاج إلى قضاء مستقل وفعال، وهيئات رقابية قادرة على العمل دون تدخل، وشفافية حقيقية في العقود والموازنات، وإعلان واضح عن الأموال والمصالح المالية للمسؤولين، إضافة إلى حماية من يكشف حالات الفساد وفق القانون.
ويشير صندوق النقد الدولي أيضاً إلى الحاجة إلى تحديث الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وتعزيز استقلال أجهزة إنفاذ القانون، وتطوير نظام المشتريات الحكومية، وتحديث قواعد تضارب المصالح وإقرارات الذمة المالية.
إن محاربة الفساد ليست معركة ضد أشخاص بعينهم، بل معركة من أجل بناء دولة يستطيع المواطن أن يثق بمؤسساتها. فالمسؤول الذي يتولى منصباً عاماً يجب أن يدرك أن المنصب تكليف لخدمة الناس، وليس امتيازاً شخصياً.
وفي النهاية، فإن المال العام ليس ملكاً للحكومة أو للمسؤول، بل هو ملك للشعب. وكل دينار يُهدر أو يُسرق هو حق ضائع من حقوق المواطنين. لذلك فإن بناء عراق قوي ومستقر يتطلب أن تكون المساءلة فوق المنصب، والقانون فوق النفوذ، والمصلحة العامة فوق المصالح الشخصية والحزبية.



