البلقنة في المشهد العراقي: قراءة في المفهوم والمآلات

كتب : د. طالب الشوكة ـ العراق
تُمثّل البلقنة مفهوماً راسخاً في الأدبيات الجيوسياسية، لكونه يصف الحالة التي تتفكك فيها الدولة أو الإقليم إلى كيانات متصارعة إثر نزاعات عرقية أو طائفية أو عسكرية. وقد ارتبط المصطلح تاريخياً بمنطقة البلقان، ثم تجسّد في صورته الأكثر دموية مع انهيار يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي بعد وفاة تيتو، حين انشطرت البلاد إثر صراعات طاحنة على السلطة والحدود والأرض. وعند إسقاط هذا المفهوم على الواقع العراقي، في ضوء التحذيرات والتصريحات الأمريكية الأخيرة، ولا سيما تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يطفو إلى السطح احتمال انتقال الدولة من نموذج الدولة الاتحادية إلى واقع تتسع فيه مناطق النفوذ الطائفي والقومي والأمني. وقد ربط روبيو، في تصريحاته الأخيرة، خطر “البلقنة” بوجود قوى مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة، مع تأكيد واشنطن دعمها لجهود الحكومة العراقية في وضع السلاح تحت سلطة الدولة. وتقوم هذه الصيرورة، في جوهرها، على إنهاك السلطة المركزية، وتغليب الهويات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة، بما قد يحول السلاح من أداة دفاع إلى عامل صراع داخلي. ومن هنا، فإن التحذير من البلقنة لا يعني بالضرورة أن هناك مشروعاً معلناً لتقسيم العراق جغرافياً، بقدر ما يعكس مخاوف من نشوء مراكز قوة أمنية وسياسية واقتصادية موازية للدولة، بما يضعف قدرتها على فرض سلطتها على كامل أراضيها.وفي ظل التنوع المجتمعي العراقي، وتعدد الأطراف التي تمتلك السلاح والنفوذ، واستمرار التنافس على السلطة والموارد، يبقى احتمال الانزلاق إلى صراعات داخلية أو حروب بالإنابة قائماً، وهو سيناريو تخشاه دول الجوار أيضاً خشية انتقال تداعيات التفكك إلى أراضيها.في المقابل، تتعاطى الفصائل الإسلامية مع الضغوط الأمريكية برفض وتشكيك، وتعدّها تدخلاً في السيادة العراقية. وترى هذه القوى أن سلاحها يرتبط بمفهوم “المقاومة” ومواجهة التهديدات الخارجية، وأن استهدافه لا ينفصل، من وجهة نظرها، عن محاولة إنهاء نفوذ القوى المناهضة لواشنطن وإسرائيل.
وتشترط بعض القوى القريبة من هذا المعسكر إنهاء الوجود والنفوذ الأمريكي قبل الدخول في تسوية نهائية لملف السلاح. وفي المقابل، ظهرت مؤشرات على تجاوب فصائل أخرى مع مسار وضع السلاح تحت سلطة الدولة، سواء عبر تسليمه أو تنظيم وضعه ضمن المؤسسات الرسمية. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن بعض الفصائل اتجهت نحو التفاهم مع بغداد، في حين بقيت فصائل أخرى أكثر رفضاً لهذا المسار. ومن هنا، تفتح تحذيرات واشنطن ومسار حصر السلاح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية..
يقوم هذا المسار على التوصل إلى خطة زمنية تعتمد الحوار، بهدف تخفيف الضغط الخارجي من دون الذهاب إلى تفكيك فوري وكامل للفصائل. وقد يتضمن وقف الهجمات، وتجميد النشاط العسكري، وتسليم بعض الأسلحة الثقيلة للدولة، مقابل احتفاظ القوى السياسية المرتبطة بالفصائل بنفوذها السياسي والمؤسسي. ويمنح هذا السيناريو الحكومة فرصة لتجنب التصادم الداخلي، كما يمنح الفصائل مساحة لإعادة ترتيب أوضاعها بعيداً عن المواجهة المباشرة.
يقوم هذا السيناريو على رفع واشنطن سقف مطالبها والضغط باتجاه إجراءات أكثر سرعة وحسماً لوضع السلاح تحت سيطرة الدولة.
وفي هذه الحالة، قد تعتبر الفصائل المتشددة أن الموقف الحكومي استجابة لضغوط خارجية، الأمر الذي يمكن أن يفتح الباب أمام تصعيد أمني أو سياسي، ويضع الحكومة أمام معادلة شديدة التعقيد بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي والاستجابة للضغوط الدولية.
يقوم هذا المسار على إعادة تنظيم التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، ودمج عناصرها في الأجهزة الأمنية وفق الأطر القانونية، مع فك الارتباط التنظيمي بين السلاح والعمل الحزبي.
ويمثل هذا السيناريو حلاً أكثر جذرية، لكنه يبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على توفير ضمانات سياسية وأمنية، وبمدى استعداد الفصائل لقبول الانتقال من القوة المسلحة المستقلة إلى العمل السياسي والمؤسسي.
تمتلك واشنطن مجموعة واسعة من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والأمني لمواجهة نفوذ الفصائل المسلحة، وتتركز أبرزها في المجال المالي والعقوبات، إضافة إلى أدوات الضغط الدبلوماسي والأمني.
ويأتي الملف المالي في مقدمة هذه الأدوات، في ظل ارتباط النظام المالي العراقي بالدولار والنظام المالي الدولي، الأمر الذي يمنح الولايات المتحدة قدرة على التأثير في حركة الأموال والتحويلات والعلاقات المصرفية.
وقد تشمل أدوات الضغط تشديد القيود على التعاملات المالية، وإدراج مؤسسات وشبكات تجارية على قوائم العقوبات، إضافة إلى الضغوط الدبلوماسية والأمنية واستهداف مواقع أو قيادات مرتبطة بجماعات مسلحة في حال وقوع هجمات على المصالح الأمريكية.
لكن استخدام هذه الأدوات لا يعني بالضرورة الذهاب مباشرة إلى مواجهة عسكرية شاملة مع الدولة العراقية، إذ يمكن لواشنطن استخدام الضغط الاقتصادي والسياسي لإجبار بغداد على ضبط نشاط الفصائل ومنع استخدام الأراضي العراقية في استهداف المصالح الأجنبية.
وفي حال استمرار الرفض واحتفاظ بعض الفصائل بقدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، فقد تتحول مرحلة التهدئة إلى مواجهات محدودة، تتضمن ضربات على مواقع أو مخازن أسلحة أو قيادات، وهو ما قد يضع الدولة العراقية أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على فرض سيادتها ومنع تحول أراضيها إلى ساحة صراع إقليمي.
وهنا تبرز إحدى صور البلقنة التي قد تكون أكثر واقعية من التقسيم الجغرافي المباشر، وهي البلقنة الأمنية والإدارية، حين تتحول بعض المناطق إلى مراكز نفوذ تملك فيها قوى سياسية أو مسلحة قدرة مستقلة نسبياً على إدارة الأمن والاقتصاد والقرار المحلي.
تحاول الحكومة العراقية، في ظل هذه المعادلة، تفادي المواجهة العسكرية المباشرة مع الفصائل من جهة، وتجنب العقوبات أو العزلة الدولية من جهة أخرى.
ولهذا تبدو استراتيجية التدرج والحوار أكثر حضوراً في إدارة الملف، خصوصاً أن بغداد لا تستطيع تجاهل طبيعة التوازنات الداخلية والإقليمية المرتبطة بالفصائل المسلحة. وقد أكدت الحكومة أن مسار حصر السلاح يجري ضمن إطار مؤسسات الدولة، فيما تحدثت مصادر وتقارير حديثة عن انتقال الموعد من مفهوم المهلة النهائية إلى مسار أطول للتنفيذ والتفاهمات.
وتبقى المشكلة الأساسية أن استمرار الوضع القائم، من دون حسم نهائي، يبقي العراق في منطقة رمادية بين الدولة المستقرة والدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة. كما أن استمرار التوتر الأمني يمكن أن ينعكس على بيئة الاستثمار والشركات الأجنبية، التي تحتاج إلى وضوح أمني وسياسي طويل الأمد.
تتقاسم القوى السياسية العراقية المشهد وفق رؤى ومصالح متباينة تجاه تحذيرات روبيو وملف حصر السلاح.
فالقوى الداعمة للاستقرار الاقتصادي ترى أن استمرار التصعيد أو التعرض لعقوبات مالية يمكن أن ينعكس على النظام السياسي والاقتصاد العراقي ككل، ولذلك تدفع باتجاه ضبط حركة السلاح وتجنب استهداف المصالح الأجنبية.
أما القوى السنية، فتؤيد قطاعات واسعة منها حصر السلاح بيد المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، وترى أن انتشار السلاح خارج إطار الدولة يمثل عائقاً أمام الاستقرار السياسي والتنمية في مناطقها.
وفي إقليم كردستان، يُنظر إلى السلاح الخارج عن سيطرة الدولة بوصفه مصدر تهديد أمني واقتصادي، خصوصاً في ضوء الهجمات السابقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي طالت مواقع ومرافق في الإقليم. ولذلك تتقاطع مصالح الإقليم مع الدعوات إلى تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة توافقه مع أي مشروع يؤدي إلى تقسيم العراق.
أما إيران، فترى في أي مشروع لتفكيك العراق إلى كيانات قومية أو طائفية تهديداً لمصالحها الأمنية والسياسية، ولا سيما في حال نشوء كيان كردي مستقل في شمال العراق، لما يمكن أن يتركه ذلك من تداعيات على القضية الكردية داخل الأراضي الإيرانية.
كما أن تفكك العراق إلى كيانات منفصلة يمكن أن يضعف شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية التي بنتها طهران مع بغداد، ويحد من مجال نفوذها الإقليمي الممتد عبر العراق إلى سوريا ولبنان.
أما تركيا، فتتعامل مع أي احتمال لقيام كيان كردي مستقل على حدودها الجنوبية بوصفه تحدياً أمنياً مباشراً، خشية أن ينعكس ذلك على نشاط حزب العمال الكردستاني والحركة الكردية داخل أراضيها. وتنظر دول الخليج العربية كذلك بحذر إلى أي تفكك عراقي، لما يمكن أن يترتب عليه من انتقال الصراعات والحروب بالوكالة، وتنامي الجماعات المسلحة، واضطراب الحدود وحركة التجارة والاستثمار.وبذلك، وعلى الرغم من اختلاف دوافع هذه الأطراف، فإن هناك تقاطعاً إقليمياً واضحاً في رفض تحويل العراق إلى كيانات متصارعة على أسس عرقية أو طائفية، وإن اختلفت كل دولة في رؤيتها لطبيعة الدولة العراقية وموقعها الإقليمي. كما أن بقاء العراق دولة واحدة يظل مرتبطاً بكون الدولة المركزية الإطار الذي تُدار من خلاله الموارد والثروة النفطية والعلاقات الاقتصادية بين المحافظات والأقاليم.
المرجعية الدينية ووحدة العراق
وتبرز المرجعية الدينية في النجف بوصفها أحد أهم العوامل الاجتماعية والدينية المؤثرة في الحفاظ على وحدة العراق، خصوصاً في لحظات الأزمات الوجودية التي تهدد السلم الأهلي. وقد أكدت المرجعية في مناسبات متعددة مبادئ سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة ورفض التدخلات الخارجية، مع ابتعادها عن الدخول في تفاصيل العمل السياسي اليومي أو تشكيل الحكومات. وقد ظهر الدور الاستثنائي للمرجعية بوضوح عام 2014، عندما أطلقت فتوى الجهاد الكفائي في مواجهة تنظيم داعش، في لحظة كان فيها العراق يواجه خطراً وجودياً على أمنه ووحدة أراضيه. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المرجعية بوصفها أحد أهم صمامات الأمان الاجتماعية والوطنية أمام أي مسار يقود إلى حرب أهلية أو تفكك داخلي، لما تمتلكه من تأثير عابر للمكونات والطوائف. غير أن هذا الدور لا يلغي مسؤولية المؤسسات السياسية والدستورية والأمنية عن حماية وحدة الدولة، كما أن منع البلقنة لا يمكن أن يعتمد على عامل ديني أو اجتماعي واحد، بل يحتاج إلى بناء مؤسسات قادرة على احتكار القوة، وإدارة التنوع، وضمان توزيع عادل للموارد، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة.
إن تحذير ماركو روبيو من بلقنة العراق أعاد المصطلح إلى واجهة النقاش السياسي والجيوسياسي، لكنه لا يعني بالضرورة أن تقسيم العراق جغرافياً أصبح سيناريوً محسوماً أو مشروعاً أمريكياً معلناً.
الخطر الأكثر واقعية يتمثل في استمرار تعدد مراكز القوة، واتساع الفجوة بين الدولة والقوى المسلحة، وتحول بعض المناطق إلى فضاءات نفوذ أمني وسياسي واقتصادي شبه مستقلة. وهنا تكمن المفارقة العراقية. فالعراق يمتلك من عناصر الوحدة ما يجعله قادراً على تجاوز خطر التفكك، لكنه يمتلك في الوقت نفسه من عناصر التنافس الداخلي والإقليمي ما يجعل استمرار الأزمة دون معالجة مؤسسية خطراً على تماسك الدولة. وبين الضغط الأمريكي، ومصالح إيران وتركيا ودول الخليج، ومواقف القوى العراقية، ودور المرجعية الدينية في النجف، يبقى مستقبل العراق مرتبطاً بقدرته على إعادة بناء معادلة واحدة واضحة. دولة واحدة، وسلطة دستورية واحدة، وقرار أمني لا تتعدد مصادره، مع الحفاظ على التوازن بين مكونات المجتمع العراقي.
فالبلقنة لا تبدأ بالضرورة برسم حدود جديدة على الخريطة؛ فقد تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تصبح الدولة عاجزة عن فرض قانون واحد، أو عندما تتحول مراكز النفوذ إلى بديل عن مؤسساتها. ومن هنا، فإن حماية وحدة العراق لا تتطلب فقط رفض التقسيم، بل معالجة الأسباب التي يمكن أن تجعل التقسيم أمراً ممكناً



